+ -

الجزائر أرض الإسلام المعتدل، يحق لها أن تفتخر بوجود فضاء مثالي لنشر المعرفة الروحية المستنيرة ممثلة في الندوة الدولية لـ "الدروس المحمدية" التي نظمتها الطريقة البلقايدية للشيخ محمد بلقايد. هذا الحدث العلمي والروحي الذي ينظم خلال شهر رمضان، اختتم أول أمس، وقد شهد نجاحا كبيرا وعلى جميع الأصعدة، حيث جمع قرابة عشرين عالما من الجزائر والعالم العربي  حول موضوع "تفسير القرآن الكريم".

لقد اختتمت الدورة الخامسة عشر في 16 من رمضان الموافق ليوم الجمعة 7 أفريل 2023 بمسجد الزاوية بسيدي معروف بوهران، بعد أن اتسم الافتتاح بالكثير من الحماسة والشغف يوم  الثامن من شهر رمضان 1444، وحظيت الدروس المحمدية بالاهتمام البالغ والمتابعة عبر أنحاء العالم، خاصة في البلدان الإسلامية، بفضل البث التلفزيوني ووسائل التواصل الاجتماعي.

لقد شعّت "الدورس" التي تم بثها من قبل التلفزيون الجزائري وقنوات عربية أخرى بنورها على الأمة المسلمة، بحيث أضحى هذا الحدث الجزائري مرجعيا للإسلام الأصيل والمتفتح والعصري، كما أصبح تقليدا علميا ولحظة  منتظرة، فهذا الحدث العلمي والثقافي والروحي الذي يُعرف بالطريقة المحمديّة، يعد بمثابة حدث عالمي للفكر الإسلامي المستنير.

وقد تم اختيار هذه السنة لهذا الموعد الروحي والثقافي، عنوانا بارزا  بدلالات قوية هو "تفسير القرآن ومذاهب التفسير المختلفة"، أنه موضوع يكتسي أهمية بالغة حول القرآن والسنّة النبوية وعلماء الفقه الإسلامي الذين يولون أهمية قصوى لنقل المعرفة النافعة  التي تصدر عن الطريقة الأم الشاذلية وفرع الدرقاوية، ثم الهبرية، والزاوية البلقادية، من خلال حكمة وبركة مؤسسها الشيخ محمد بلقايد (1911-1998) ومرشدها الحالي الشيخ عبد اللطيف والتي تعدّ مدرسة إحسان واجتهاد وتجديد للسيرة الطيبة وحب الوطن.

ويعكس موضوع التفسير الوفاء والإخلاص للتقاليد السامية، والاستجابة لاحتياجات المجتمع الجزائري والمجتمع الإسلامي في جميع أنحاء العالم، في مواجهة تحديات الساعة من أجل وضع حد للقراءات التعسفية والانحرافات لتنوير المؤمنين وجميع المهتمين بمسألة تفسير القرآن من أجل إحياء الحضارة الإسلامية التي ولدت عن قوله تعالى "اقرأ" ومتطلبات تأمّل وتفسير القرآن كانت الدروس فرصة للتذكير بما هو مهمّ وجوهري، كما كانت الدروس لدى اختتامها فرصة للشيخ عبد اللطيف بأن يشيد بمساهمات العلماء.

إن الإيمان والعقل، الباطن والظاهر، الحقيقة والشريعة، كلها مترابطة لفهم  تعاليم القرآن الكريم وتعليم الاستقامة والصراط المستقيم وأنسنة السلوك، بالاعتماد على المراجع الإسلامية والوطنية التي لا جدال فيها، فـ "الدورس" مفيدة تذكّرنا بالتفسير والسنّة الشريفة، التعلم والتوضيح وتبادل أو تقابل الأفكار والمعرفة والأساليب التي تساهم في التجديد الذي يحتاجه العالم الإسلامي بشدة. كما يقول ابن عطا الله: "إن العلماء يهدون الناس إلى الله حسب درجاتهم". ويبيّن العلماء الروحانيون بطريقتهم الخاصة عن المعرفة التي يمنحها الله تعالى "وأما بنعمة ربك فحدّث"(93-11)، فالعلماء الثقاة يدركون أن هناك طرقًا ومستويات عديدة لقراءة القرآن والطريق إلى الله، وهي كلها مرتبطة بالتقوى ونعمة "البركة" والجهد "المجاهدة" على أساس المعرفة والتقدّم على مراحل، مع إمكانية التنوير حسب "الإذن"، أي الإذن الإلهي لفهم الكتاب الموحى بشكل كامل.

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستفسار العلماء ومجالسة الحكماء وملازمة العلماء، فيما يتعيّن أن تكون حياة المؤمن مبنية على فهم القرآن وطلب العلم والبحث عن المعرفة والتوبة الصادقة المتواصلة والدائمة لتصحيح الذات والتقدّم.

إن تعدّد مدارس "التفسير" والفكر والاجتهاد والفقه، يدل على أن الإسلام منفتح على احترام تنوّع الآراء على أساس وحدة "الأمة، حيث أن التذكير بالطرق والشروط المختلفة لتفسير القرآن الكريم هو عمل ببعد الصالح العام لتقريب وجهات النظر. وتعتبر الدورس فريدة من نوعها في العالم العربي، وهي بمثابة كنز حقيقي لتنوير الأمة.

فهذه الدروس تنشر حكمة تفاسير العلماء الروحانيين من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بهدف  الإجماع  والتفاهم والتثقيف وصقل الشخصيات والصفات وبناء العيش المشترك، ولقد تابع كل المؤمنين المهتمين بالإحسان الدروس باهتمام وشغف.

وفي الختام، نقول إن الجزائر يبقى بلد المعرفة والمعارف وثقافة الحوار والتضامن والعلماء التي تزرع في الشباب المعرفة الأصيلة والعيش معا في سلام. ولقد كانت هذه الدورة الخامسة عشرة من "الدروس المحمدية" مرة أخرى، مدرسة الإخلاص للسنّة وحب المعرفة النافعة والأمة.