اسلاميات

ترميم المسجد العمري بغزة بمواد بدائية

لم يجد أهالي غزة مواد بناء كافية، ولا دعما يوازي حجم الدمار

  • 248
  • 1:45 دقيقة

مع قرب حلول شهر رمضان المعظم، يتحوّل إصرار أهالي غزة الجريحة على التحدي، على أن يبقى المسجد العمري وباقي مساجد غزة حية في ذاكرة الناس، حتى وإن كانت غير موجودة في الواقع، عبر إعادة بنائها بمواد بدائية، بأيدٍ لا تملك سوى الحديد والبلاستيك، وقلوب لا تملك سوى الإيمان.

تشير الأرقام الرسمية إلى أن المسجد العمري ليس حالة منفردة، بل جزء من مشهد أوسع من التدمير الذي طال قطاع غزة بأكمله. فحسب تقرير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، تعرض 1109 مساجد للتدمير الكلي أو الجزئي من أصل 1244 مسجدا خلال العامين 2024–2025. ويعني ذلك ّأن 89% من مساجد القطاع تضررت أو دمرت، وهو رقم يوضح حجم الخسارة في البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع.

ومن بين هذه المساجد، بلغ عدد المدمرة كليا 834 مسجدا «سُويت بالأرض»، بينما تضرّر 275 مسجدا بأضرار جزئية بليغة، ما جعلها غير صالحة للاستخدام. ولا تروي الأرقام وحدها الألم، لكنها ترسم صورة عن فقدان جماعي لمساحات كانت تُعدّ متنفسا روحيا واجتماعيا للناس، لاسيما في أوقات الأزمات. أما الأرقام التي تلت ذلك في أوت 2025، فتشير إلى ارتفاع النسبة إلى 93% من المساجد المستهدفة، ما يدل على أن المشهد لا يقف عند حدود تدمير عابر، بل يندرج ضمن مشروع ممنهج لإضعاف المجتمع الفلسطيني، بحسب توصيف كثير من أهالي غزة.

في ظل هذه الخلفية، يصبح ما يقوم به الأهالي أكثر من مجرد «ترميم»، بل محاولة للحفاظ على ما تبقى من الهوية، حتى وإن جرى ذلك باستخدام مواد بدائية لا تتناسب مع تاريخ هذه المباني ولا مع قيمتها الروحية، غير أن هذه المحاولات تبقى رمزا للصمود.
ووفقا لتقرير صحيفة “القدس العربي” اللندنية، فإن ملامح “الترميم” في أزقة البلدة القديمة بغزة، تبدو أقرب إلى المعجزة منها إلى أي مشروع هندسي. أدوات بسيطة، كالحديد والبلاستيك، تحولت إلى جدران مؤقتة وأسقف متواضعة، حتى تحولت مساحات من أنقاض المساجد إلى مصليات تستقبل الناس.

ولم يجد أهالي غزة مواد بناء كافية، ولا دعما يوازي حجم الدمار، فكان الخيار الوحيد أن يخلقوا من البقايا ما يشبه الحياة. فهم لا يبنون مساجد بالمعنى التقليدي، بل يعيدون تشكيل الفكرة نفسها: المسجد يعني صلاة، ويعني جماعة، ويعني حضورا. وهذه الساحة لا تمثل بديلا عن المسجد، لكنها محاولة لإبقاء الشعائر حيّة، خاصة مع قرب شهر رمضان الذي يشكل مساحة اجتماعية وروحية لا يمكن الاستغناء عنها.