أقلام الخبر

نورالدين جودي.. رجل المعركتين

  • 73
  • 4:48 دقيقة

برحيل نور الدين جودي، الدبلوماسي الفذ، تنطوي صفحة كاملة من تاريخ الدبلوماسية الجزائرية، الموسمومة بالنضال من أجل تحرر الشعوب والإنعتاق من نير الإستعمار. حيث بات إرثه اليوم جزءاً من التاريخ، ينتمي لحقبة ولت، أضحت مصدرا ملهما للباحثين والمؤرخين.

لقد بقي، حتى آخر نفس، وفيا لرؤيتة الخاصة للدبلوماسية، تبلورت خلال حرب التحرير الوطنية، والتي كان يحب تسميتها بـ "دبلوماسية الحرب" أو "دبلوماسية المقاومة". وبحكم ميله للحوار، لكونه رجلا متفتحا، كان يتقبل النقاش  ومقابلة الأفكار، لكن في الوقت نفسه، كان يبدي صرامة لا تلين عندما يتعلق الأمر بالقيم التي حملتها ودافعت عنها الثورة الجزائرية، والتي كان دوما يقدّمها على أنها إنسانية وعالمية. وكان يؤكد، في كل مرة، أنه يجب الدفاع عنها بشراسة داخل "جمعية أصدقاء الثورة الجزائرية"، التي كان يرأسها منذ تأسيسها في عام 2023.

وهو في سن الثالثة والتسعين، ظل سي نور الدين يتمتع بذاكرة قوية، وذهن متقد، يتتبع أدق التفاصيل الطارئة في سياق التحولات العميقة التي يعرفها العالم، وكان يسعى بحزم كبير إلى تفنيد ذلك الوهم الذي يتحدث عن بهتان عالم "ما بعد الإستعمار"، فبالنسبة له، هذا المفهوم مجرد سراب، لا يمت بأي علاقة مع الواقع الحالي. فشعلة النضال من أجل سيادة الشعوب التى بداخله لم تنطفئ أبداً، وكان السؤال الذي أرق المنتظم الدولي: كيف يمكن للبشرية أن تدّعي أنها طوت نهائيا صفحة الإستعمار، بينما لا تزال فلسطين والصحراء الغربية ترزحان تحت نير الإضطهاد؟ من بين الأسئلة التي كان يطرحها باستمرار.

كان المغفور له سي نور الدين يمتلك حسا تحليليا عميقا، إذ كان يسعى الى تفكيك الخطاب السياسي الغربي، ويرى فيه استمراريةً لخطاب القرون الماضية، الذي كانت تطبعه النزعة الاستعمارية، حتى وإن كان قد اتخذ أشكالاً أخرى. كان يؤمن إيمانا قويا بـ "عودة الإمبراطوريات"، حتى أنه كان يتحدث عنها كأمر بديهي، لا يحتمل أي شك، وبذلك كان يرفض بحدة أي مهادنة تجاه هذا التاريخ الذي يعيد نفسه، بطريقة تنعكس بوابل من المآسي على الشعوب المستضعفة.

وبالرغم من تقدمه في السن، وحياته المليئة بالعقبات والتقلبات والمخاطر - حياة كُرست بالكامل للكفاح من أجل استقلال الشعوب الإفريقية - لم يتوقف الفقيد جودي عن الكتابة والنشر في الصحافة الوطنية. لقد أظهر من خلال تحليلاته للتحولات والتغييرات الكبرى التي يمر بها العالم، كان يتسم ببصيرة نادرة وفطنة لا تخطئ، تبرهن على إمكانيات استثنائياً من فهم واستيعاب الرهانات الجيوسياسية الحالية. كما ظل ثابتا في اهتمامه بالحركة الصهيونيةً، التي كان يراها نتاجاً غربياً نموذجياً، ساهم في تشكيل الوجه الأكثر بشاعة للاستعمار، كما كان ينظر إليها كمفارقة صارخة، لازالت تقبّح وجه التاريخ.

رفض كل أشكال التطرف.

وبحكم نهجه الصارم والرصين في قراءة التاريخ، كان المرحوم جودي يرفض بحزم كل أشكال التطرف، لاسيما تلك المواقف التي تختزل "الآخر" في خصوصياته أو تحوّل الاختلاف إلى مبرر للشيطنة. ومن بين المشاريع التي سعى الى تجسيدها، تنظيم ندوة بمقر الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، حول حياة الشاب بيار غنايسيا، المدعو "الحاج"، وهو شهيد جزائري من أصل يهودي، إلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، قبل أن يسقط في ميدان الشرف في 22 فيفري 1957.

وكان يردد دائما بنبرة فيها كثير من السخرية: «في نظر العديد من ضعاف الألباب، كان بيار غنايسيا يحمل "عاهتين": كونه وُلد يهودياً، واعتياده مرافقة الشباب الشيوعيين...»، بالرغم من أنه لم يفعل شيئاً غير التضحية بحياته، وهو في مقتبل العمر، من أجل استقلال وطنه، الجزائر.

لم يكن يخفي كذلك استياءه من الاستخدام الاعتباطي والسطحي لمصطلح «صديق الثورة». بالنسبة له، فإن استعمال هذه العبارة في غير محلها يرقى إلى مرتبة الجريمة، التي تشبه تماما جريمة النسيان أو الازدراء بتضحيات أولئك الذين سقطوا في ساحة الوغى مضحين بأرواحهم من أجل الحرية والاستقلال.

هذه هي الذاكرة الحية للثورة الجزائرية التي سعى جاهدا للحفاظ عليها و إبقاء جذوتها متقدة من خلال نشاطات الجمعية، التي وضع توجهاتها ضمن القيم الإنسانية والعالمية التي قامت عليها النضالات البطولية للشعب الجزائري من أجل الحرية، نضالات أثارت موجة تضامن غير مسبوقة عبر العالم. وقد تبلور هذا الحشد في شبكات دعم لا تزال إلى اليوم تفتخر بحمل لقب "أصدقاء الثورة".

أما الجزائريين من أصول أوروبية أو يهودية، الذين سقطوا في أرض الوغى والسلاح في أيديهم، فقد ظلوا في نظره شهداء، سقت دماؤهم هذه الأرض التي اختاروها وأحبوها.

أنجز نور الدين جودي، في ظرف عامين و نصف فقط على رأس الجمعية، عملاً جبارا. أولاً، عبر كسر الطابوهات، التي عملت على تشويه صورة ثورة عظيمة نالت إعجاب العالم بأسره. وثانياً، عبر إحياء ذاكرة التضامن الدولي مع كفاح الشعب الجزائري، وهو التعاطف الذي لا يزال حياً ولا يزال يعبر عن وجوده عبر جميع القارات.

إن مساره النضالي، الذي بدأ عام 1955 عندما كان طالباً في الأدب الإنجليزي بمونبلييه بفرنسا، وبعدها ممثلاً لجبهة التحرير الوطني بلندن بانجلترا، يمتد لأكثر من 71 عاماً من الالتزام المبكر، وصولاً إلى آخر منصب له كسفير في لاهاي، حيث ترأس أيضاً منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. كانت حياة الفقيد ثرية ومعطاءة، كُرست بالكامل للكفاح المسلح ثم لدبلوماسية التحرر.

لقد منحه التزامه داخل المحافظة السياسية لجيش التحرير الوطني امتياز مرافقة شخصيات عظيمة، من شاكلة نيلسون مانديلا، الذي التحق بمعسكرات جيش التحرير للتمرن على حرب العصابات، ورغم أن المرشح محمد لعماري كان مدربه الرئيسي، إلا أن نور الدين جودي ساهم أيضاً في تدريبه على الرماية بالبندقية، والأهم من ذلك، عمله كمترجم خلال لقاءات "ماديبا" مع قادة جبهة التحرير الوطني، ومن بينهم على وجه الخصوص شريف بلقاسم.

كان الفقيد شاهدا على ميلاد تحالف استراتيجي بين جبهة التحرير الوطني والمؤتمر الوطني الإفريقي، إذ حظي المرحوم نورالدين جودي بامتياز نادر لكونه كان شاهداً حيا على الخطوات الأولى للتحالف التاريخي بين المؤتمر الوطني الإفريقي وجبهة التحرير الوطني، وهي علاقة استراتيجية تركت بصمتها على القارة الافريقية وفي محافل دولية عديدة. فلم يكن مجرد مراقب لهذه الأحداث، بل أحد صنّاع هذا التحالف، عاملاً بلا كلل على توطيد الروابط بين بريتوريا، التي تحررت من أخطبوط الفصل العنصري، والجزائر، التي إنعتقت من إستعمار وحشي.  ولقد برز نشاطه في قلب منظمة الوحدة الإفريقية، ثم داخل الإتحاد الإفريقي، حيث ساهم بقوة في بناء شراكة قوية بين البلدين، خصوصا عندما كان سفيرا للجزائر في بريتوريا.

ولقد أثبت سي نور الدين، عندما كان دبلوماسيا شابا، من خلال نشاطه الحثيث في قارة كانت تغلي وتعج بحركات التحرر المتصاعدة، متانة الدبلوماسية التي كانت تنتهجها الجزائر سنوات قليلة.