أقلام الخبر

هل سَتكون "الأنترنيت" حقّا كونيّا عابرا للدُّول والحُدود؟!

  • 20
  • 2:35 دقيقة

خلال السّنة المنصَرمة تابعنا احتجاجات مراهقين وشباب في بعض الدّول العربية والإفريقية وفرنسا، عُرفت باسم "احتجاجات جيل زاد" ويُطلق عليهم أحياناً "المواطِنون الرّقميُّون"، وهي انتفاضات كشفت عن "عجْز تَواصُلي" بين القيادات المدرسيّة والاجتماعيّة والسّياسية التّقليدية والأجيال الجديدة، ولعبت "الخوارزميّات" بتطوّراتها وباستخدام وسائل التّواصل في تعميق هذه الفجوة، ومع مظاهرات إيران بداية هذا العام نشهد صِراعاً بين أسلوب الدّولة التقليدي في حجْبِ الأنترنيت ومنع وسائل التواصل الاجتماعي ومن ناحية أخرى ما تطرحه القُدرات التّكنولوجية الجديدة التي تسمح لك بهاتفك النّقال للوصول إلى المعلومة وتبادل الصُّور، من خلال فضاء الأقمار الفضائية أو من خلال إدخال أجهزة ستارلينك غير المرتبطة بأنترنيت الكابلات، من هنا يمكن القول أنّنا أمام "حُروب وعي" في مرحلتها الثّالثة أشدّ خطراً وتأثيراً على استقرار الدُّول ووحدة ترابها وتماسك مجتمعاتها وقراراتها الوطنيّة.

طبعاً شهدنا في الأشهر الأخيرة كميّة منسوب "الكذب" و"التّضليل" في الإعلام التّواصلي، وهذا طبعاً باستخدام "الذّكاء الاصطناعي التّوليدي" والتّمويل المالي، وهما عاملان إلى جانب "إرادة الهيمنة" من بعض الدول العظمى وتوجيه "الرّأي العام"، كلّها عوامل مهدِّدة للاستقرار، ما يستدعي الانتباه إلى "السّيادة الإدراكية"، أي حماية فضاء جديد في هذه الحُروب التي لا تستهدف الجوّ والأرض والفضاء والبحر وساحة السّيرانية، ولكن تستهدف "الوعي"، وحين نقول "الوعي" فمعناه الإدراك والتّفكير والمشاعر. 

لقد تشرّفت بالمشاركة في الأسابيع الماضية بمداخلة حاولت فيها تلمُّس القضايا الفلسفيّة والأخلاقية التي تَطرحها هذه الحُروب الجديدة بـ"المعهد الوطني للدّراسات الشّاملة" وفي جامعات وهيئات خارج الوطن، وأثمّن هذه المبادرات التي تجمع بين علماء الاجتماع ومختصين في مجال الرّقمنة والتكنولوجيات الرّقميّة، ومما تابعته باهتمام، ما طرحته اليونيسكو كتوصيات في استحداث ثقافة وتربيَة وقوانين لها علاقة بالذّكاء الاصطناعي والتّحولات التّكنولوجية الجديدة، ونقف هنا عند الألكسو "المنظمة العربية للتربية والعلوم والثّقافة" التي وضعت "البرنامج العربي للتّربية على المواطَنة"، وقد عقدت ملتقيات وورشات في بعض الدول العربيّة، كان الموضوع الأساسي: "التّربية على المواطنة" كدرس بيداغوجي وعلمي ونشاط جمعوي، وقد طرَح بعض الخبراء الذين حضروا هذه اللقاءات مفهوم "المواطنة الرّقميّة" مبرزين كيفية صُنع برامج تربوية وتدريبية على "مواطَنة" تجمع بين التّحكّم في التّكنولوجيّات الرّقمية الجديدة والقِيم الإنسانية.

وأجمع هؤلاء على أن منطقتنا العربية ستعاني من هذا التقدم المهيل باستغلال سلبي يَسعى إلى تفتيت انسجامها الاجتماعي وزيادة الكراهية والتطرّف والعنف، ومن هنا على المنظمات المعنيّة ووزارات التربية وما يماثلها في هذه المهمّة من أجل تطوير "التّربية على المواطنة" وتقليص الفجوة بين الآباء التربويين التّقليديين والأجيال الشّابّة" وتعويد التلميذ على "التّفكير النّقدي" بدل استهلاك المعلومة من الذّكاء الاصطناعي، والحذر من أن يكون المعلِّم والتّلميذ رهينة هذه "الآلة الذكيّة" التي ستأخذ السّمات البشرية مستقبلا مثل ما تنبأ ذلك صاحب كتاب "الذّكاء الفائق" نيك بوستروم، وهذا خطر وجودي يطرح أمامنا من جديد "فلسفة الكينونة" وقضايا الحرية والإرادة والمصير.

في رأيي اليوم من الضّروري دعم مساعي التّحكم التكنولوجي والإنفاق عليه ووضع تشريعات تتعلّق باستشراف ما ستكون عليه "الصّناعة الرّقمية الجديدة" والاستعداد بتربية رقميّة وثقافة اجتماعية وإنسانيّة والاهتمام بهذه العلوم المحقورة، والتّعاون مع منظمات وهيئات عالمية هدفها حماية "التّفكير البشري" وحفظ الخصائص البشريّة وحماية البيئة والقيم واستقرار المجتمعات ووحدة الأوطان: مثل الألكسو التي تبنّت رؤية استباقية علميّة وتربويّة بما سيكون عليه مستقبلاً تطوّر الذّكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الأعصاب "الهندسة الاجتماعية الجديدة"، وهذا موضوع بالغ الأهمية والخطورة إذا اندمج الذكاء الاصطناعي، وإنّ آلية الدّفاع والاستشعار والترصّد من أجْل حمايَة الأوطان والتّماسك الاجتماعي والإفلات من الهيْمَنة رباعيّة: "العدالة. تحكّم تكنولوجي. تربية رقميّة. والاهتمام بالمعرفة الإنسانيّة والاجتماعيّة".