وجوب حفظ مخطوطات الجزائر (ذاكرة الأمة) من الضياع

+ - 0 قراءة

 لقد أثارني كما أثار الغيورين من أبناء هذا الوطن الغالي خبر احتراق دار المخطوطات الأثرية لمدينة عين صالح في نهاية الأسبوع الماضي، فلقد شب فجر الجمعة (13 جانفي 2023م)، حريق على مستوى مقر خزانة المخطوطات والوثائق التاريخية لسيدي إبراهيم، أولاد بلقاسم لقصر المرابطين، بوسط مدينة عين صالح، حيث مس الحريق كامل جناح الكتب والوثائق التاريخية، مما استدعى تدخل مصالح الحماية المدنية لأكثر من خمس ساعات لإطفاء الحريق بالكامل بعد أن تسبب في إتلاف كتب الخزانة بكاملها، مع الوثائق التاريخية المهمة لأكثر من 400 سنة، والتي تؤرخ لحقبة زمنية من تاريخ منطقة “تديكلت” العريقة بداية من القرن السابع عشر، وصولا إلى المقاومة الشعبية والثورة التحريرية.

أثار هذا الحادث غضبًا وسط مجموعة كبيرة من الباحثين والمهتمين بالتاريخ بالنظر إلى القيمة العلمية لهذه المصادر، حيث يكشف بعضها معلومات تاريخية عن العديد من المناطق الجنوبية بالجزائر قبل أربعة قرون خلت، وفق ما ذكرته وسائل إعلام محلية.

وإن أقل ما يُقال عن هذه الحادثة أنها فاجعة أُصيب بها ميدان التاريخ والتراث الجزائري والإسلامي، ويذكرنا هذا الحادث بمثله وقع في 24 أوت من عام 2021م، كان ضحيته خزانة مولاي العباس الرقاني بأدرار، وبرصيد 1963 مخطوطا. فها هي الأمة الجزائرية وفي أقل من سنتين من حادثتين تفقد 3795 مخطوطا عزيزا وغاليا! ولا يتصور هول الحصيلة إلا من عرف قيمة هذا التراث العظيم.

تعد المخطوطات من الكنوز الثمينة التي تركها الأوائل من الجيل السابق من العلماء والباحثين والدارسين، إذ أنها تمثل إرثًا حضاريًا وثقافيًا واجتماعيًا ينم عن وعي الشعوب السابقة، ويعبر عن ثقافتهم ومستواهم العلمي في كل مجالات الحياة، وأمة بغير ماضيها لا حاضر ولا مستقبل لها، فكان من الضروري الاهتمام بالمخطوطات وحمايتها وحفظها، للاستفادة منها، لأن لها دور كبير وأساسي في توثيق تراث الأمة، من خلال الكتب والوثائق التي وصلتنا في وقتنا الحاضر، كما تعتبر المخطوطات مصدرًا أساسيا وهاما في توثيق المعلومات وحماية للهوية الإنسانية.

وإن أول ما يجب علينا القيام به من أجل حماية التراث المخطوط وهو ذاكرة الأمة الوعي بقيمته، لأننا وقفنا على الكثير من العائلات التي أحرَقَت –بإرادتها- تراث سلفها ظنًا منها أنه علم لا ينفع، بل يعتبره البعض سحرًا! وما ينبغي له...

ثم تقع المسؤولية على الجهات الوصية التي لها من الوسائل ما لا يُعجزها عن احتواء البقية الباقية من هذا المخطوط الأيل للضياع، وليس أنفع من تنظيم حملات وطنية تشترك فيها وزارات ومؤسسات وجمعيات، لجمع شتات المخطوطات والكتب والوثائق العتيقة والنادرة، كما أن التنسيق بين مراكز حفظ هذه المخطوطات وبين مؤسسات الدولة خاصة الجامعات ومراكز البحث والمخابر العلمية، وكذا المساجد والزوايا، والجمعيات المعنية بهذا الميدان؛ مطلوب أكثر من أي وقت مضى. كل هذا لنتدارك التأخر الذي نحن فيه.

تزخر الجزائر بثروة هائلة من التراث العربي والإسلامي المخطوط الذي يعاني الإهمال من قبل الباحثين والمختصين، في ظل الطرق التقليدية التي تستعمل لحفظ هذا الميراث الثقافي والحضاري المهم، الذي يتعرض من جهة أخرى لعمليات النهب والسطو المنظمة من طرف لجان وبعثات أجنبية مختصة، تأتي في إطار “السياحة والبحث العلمي”.

إن الاهتمام بالمخطوطات واجب وطني وحضاري، كونه يحمل تراث وثقافة الأمة، مما يتطلب من مجموع الباحثين والمهتمين بالمصادر ومضامين الوثائق والمخطوطات إلى اتخاذ إجراءات فعالة في إعادة إحيائه من جديد، وفق طرق ومراحل من شأنها أن تهتم بالشكل الأصلي للوثائق، وفي نفس الوقت أن تستند عليه وتستشهد بنصوصه في العديد من المسائل التاريخية والدينية والاجتماعية والثقافية.

فعلى الباحثين والنخبة المتخصصة توزيع الطلبة والدارسين على ورشات واستضافة باحثين أجانب للتعريف بهذا التراث النفيس إلى جانب اعتناء أصحاب المخطوطات بها وتعاونهم مع الباحثين والمراكز ذات العلاقة.

وعلى الدولة التفكير في ضمان قانوني يحترم ملكية تلك العائلات لما تحتويه خزائنها، فهي تفضل الاحتفاظ بما تملك بصورته الهشة على أن تفقده أو ينتزع منها بالقوة. وضرورة السعي في تحويل المخطوطات من الورقي إلى الرقمي، ومن الميكرو فيلم إلى الرقمي، وذلك من خلال أجهزة وتكنولوجيا متطورة ومراقبة يومية لبيئة المخطوط، إضافة إلى ما تستوجبه مرحلة الصيانة من إزالة الغبار والتنظيف والتجهيز.

وندعو إلى إنشاء مخبر عالمي للمخطوطات الجزائرية، ومراكز خاصة في جميع المحاضر العلمية في وطننا الواسع للعناية بهذه المخطوطات الثمينة، ومن ثمة صيانتها وجردها وفهرستها وتحقيقها، وتكوين متخصصين في حفظ المخطوطات، مع الاستفادة من الخبرات العلمية للكفاءات الرائدة في مجال المخطوطات في التحقيق والصيانة والحفظ. وإنشاء مجلات علمية متخصصة تعنى بالمخطوطات والوثائق، وإقامة ندوات شهرية أو دورية يتم فيها مناقشة الأفكار والخروج بتوصيات بناءة يمكنها أن تساهم في صون كل مادة نادرة منسوخة أو مسجلة أو مصورة.