المحافظة على الذوق العام والبعد عن الفحش والبذيء من الكلام

+ -

انتشر الغناء الهابط في الشارع الجزائري، حاملا معه كلمات أفقدت الذوق والأخلاق، كلمات تخدش الحياء، وتمثل خطرًا على أفراد المجتمع، وبخاصة الأطفال، مما يجعلهم يرددونها حتى من دون معرفة ما توحي إليه تلك الكلمات، مما حدى بالحياة الفنية في بلادنا تنحدر انحدارا خطيرا.

إن ظهور بعض الأغاني العشوائية الهابطة تشكل خطرا على ثقافة الأجيال المقبلة، وإن استمرار هذه الظاهرة الخطيرة على القيم والموروث الثقافي؛ تقتضي المسؤولية من جهات ذات العلاقة بسرعة القيام بالبحث والتمحيص فى دراستها وإيجاد الوسائل المجدية لإيقافها ومحاصرتها. وإن مسؤولية الارتقاء بالذوق العام والحفاظ على الأخلاق هو ارتقاء بالثقافة وبالمستوى الحضاري للأمة، كما أنه ينعكس إيجابيا على السمو بالأخلاق وأساليب التعامل مع الناس.

إن انتشار هذه الأغاني وسريانها في المجتمع كالسرطانات الخبيثة، يدفعنا للحديث عن الغياب والتراجع الواضح لدور المؤسسات الرسمية التربوية والتوجيهية (الأسرة بشكل رئيس).

ورد في المعجم الوسيط في الأَدب والفنِ: الذوق حاسة معنوية يصدر عنها انبساط النفس أَو انقباضها لدى النظر في أثرٍ من آثار العاطفة أَو الفكر، ويقال: هو حسن الذوق للشعر. والذوق كلمة جميلة موحية تحمل في طياتها معاني اللطفِ، وحسن المعشر، وكمال التهذيبِ، وحسنِ التصرفِ، وتجنب ما يمنع من الإحراج وجرح الإحساسات بلفظ، أو إشارة أو نحو ذلك.

إن الدين الإسلامي يرتقي بذوق أهله، وينأى بهم عن كل خلقٍ أو تصرف يعاكس سلامة الذوقِ، أو يوهي حبالها. وإن من علامات السعادة للإنسان أن يرزق ذوقا سليما مهذبا؛ فإنه إذا كان كذلك عرف كيف يستمتع بالحياة، وكيف يحترم شعور الآخرين ولا ينغص عليهم، بل يدخل السرور عليهم؛ فصاحب الذوق السليم قادر على استجلاب القلوب، وإدخال السرور على نفسه وعلى من حوله.

ولهذا فالرجل النبيل، ذو المروءة والأدب هو من يراعي مشاعر الآخرين، ويحفظ عليهم كرامتهم وماء وجوههم؛ قال بعضهم: ”صحبت الربيع بنِ خثيم عشرين عاما ما سمعت منه كلمة تعاب”.
ولما كانت رسالة الإسلام هي الرسالة السماوية الخاتمة بل والخالدة، فإنها راعت أيما مراعاة مسألة الذوق هذه وحثت عليها، معتبرة الرقي بالذوق من معالم التطور الفكري والنضج الإسلامي؛ فهي ليست مِن نافلة القول والفعل كما قد يتصور البعض، فالذوقيات ومراعاتها ليست أمرا عارضا في دينِنا، وليست على هامشٍ ضيق منه، بل هي أصل أصيل منه، وجزء مكين فيه، وهالة عظيمة تحيط بدوائر الأمر والنهي فيه.

لذا حث الإسلام على انتقاء ما يسمع ويشاهد، بل وما نسمعه غيرنا ونجعلهم يشاهدونه، محذرا مما يخدش الذوق العام أو يجافي الحياء؛ قال تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}.

أدب النفس، ورفعة الذوق، وجمال التعامل من أجل ما وهب الله عبده من نعم، ومراعاة المشاعر، وحسن المعاملة مقصد شرعي من مقاصد الدين عظيم، الذوق مسلك لطيف، وتصرف حميد يحمل معاني الأدب، وعالي الرقة، وحسن المعشر، وكمال التهذيب، وحسن التصرف، وتجنب ما يحرِج أو يجرح؛ من فعلٍ أو قول أو إشارة.

والأدب والذوق خلق من أخلاق الإسلام، فديننا والحمد لله دين يهتم بحسن الخلق، وحسن معاملة الناس وحسن التلفظ والكلام مع الآخرين. والذوق مع الناس به تنال القرب منهم، أما العكس وهو الغلظة والخشونة في المعاملة والبذيء والفحش في الكلام فإنها تؤدي إلى النفور والشقاق والقطيعة، ولذلك قال الله لنبينا صلى الله عليه وسلم: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}.

الإسلام دين يأمر أتباعه بحسن الخلق ويحضهم على الأدبيات والذوقيات العالية. فإن كان غيرنا يعد ما ذكرناه مدنية وحضارة وما شابه ذلك فإنا في المقام الأول نقوم به عبادة لله تعالى، فلا يجوز لهؤلاء المغنين نشر الكلام البذيء، ولا يجوز أن نشاركهم في ذلك، ونذكرهم بأن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء، وأن الفحش ليس من صفات المؤمنين، فلا يجوز للمسلم أن يكون فاحش اللسان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش”، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عنِ النبي صلى الله عليه وسلم: ”ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء”.