+ -

إن الكثير من أئمة التّراويح لا يُكرّمون، ومنهم من يقضي شهرًا بعيدًا عن والديه وأهله وأولاده، ثمّ يُعطَى له دراهم معدودة ويكونون فيه من الزّاهدين بالرّغم من أنّه أمتعهم بكلام الله طيلة شهر كامل!!!. وأعرف الكثير من حملة كتاب الله هم من الغارمين، ومنهم مَن له أولاد يعولهم تجده يفكّر في التّوقّف عن الإمامة في رمضان والتّوجّه للعمل عند بائعي الزّلابية أو الخضر لعلّه يكفي أهله وعياله.

 القرآن لا يقدّر بثمن، لأنّه كلام الله، وخير ما ينفق فيه المال هو كلام الله، والأصل في ذلك كلّه ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنّ نفرًا من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مَرُّوا بماء، فيهم لَدِيغٌ أو سَلِيمٌ، فعَرَضَ لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق، إنّ في الماء رجُلًا لديغًا أو سَليمًا، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شَاءٍ، فبَرَأَ، فجاء بالشَّاءِ إلى أصحابه، فكَرِهُوا ذلك وقالوا: أَخَذْتَ على كتاب الله أَجْرًا، حتّى قدِمُوا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ” رواه البخاري. وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ أحقّ ما أخذتُم عليه أجرًا كتاب الله” رواه البخاري. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “زوجتكها بما معك من القرآن” متفق عليه، فجعل القرآن مقابل العوض.

ولا شكّ أنّ كثيرًا من أبنائنا ممّن تفرّغوا لحفظ القرآن وإتقانه، فاتهم من الوظائف العامة الرسمية ما فاتهم، فكانوا الأولى بإكرامهم ومعرفة ما يحملونه في صدورهم، فالإكرام ليس لذواتهم وإنّما لكلام ربّنا الّذي لا يقدّر بثمن.

إنّ أخذ الأجرة على القرآن جائزة عند جمهور الفقهاء، ومَن كان إمامًا موظّفًا لا يجوز له أن يشترط، لأنّه يمارس وظيفته وهي من صميم عمله. أمّا إذا أُكرِم الإمام الرسمي من طرف المحسنين فله ذلك وهو أحقّ بها، وله في ذلك سلف من أثر سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “إذا جاءني مال من غير إشراف نفس قبلته”.

وأمّا المتطوّع للصّلاة، وهو من الحُفّاظ المتقنين، يحقّ له أن يشترط عليهم مبلغًا من المال للصّلاة بهم سواء كان هذا المبلغ مقدّمًا أو مؤخّرًا إلى نهاية التّراويح. ولا حرج في ذلك، وهذا من باب الجُعَل، أو الإيجار، كما يجوز لهم إعطاؤه أكثر ممّا طلب إن كان لهم في ذلك سعة.

قصة وعبرة
روى أهل التّاريخ والسّير أنّ الحافظ المحدث أبو نُعَيم الفضيل بن دكين، كان يأخذ الأجرة، مقابل تلقينه الحديث لمَن يطلبه، فقيل له فيه!، فقال لهم: ومَن لهؤلاء الصبية؟

لأنّه كان يقطع المدن والبلدان للحصول على كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي ذلك من هجران البيت ونفقة السّفر ما فيه، ولم تكن له حرفة يقتات منها، فكان مضطرًا لأن يأخذ أجرة مقابل التّلقين. ولا تظنّ أنّ الإمام الرسمي راتبه يكفيه لعول عياله واستقبال ضيوفه، فحاله ليس كحال عامة النّاس، فهو مقصود للفتوى، والنّصح والإرشاد، وفكّ النّازاعات، في بيته، فمن أين له لمجابهة كلّ هذه المواقف، إن لم يكن صاحب المال والجاه معه واقف.

فأحسنوا الظّنّ بأئمتكم واعرفوا لهم قدرهم، والتّعميم آفة... قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} البقرة:273. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السّبيل. ولله الأمر من قبل ومن بعد. هذا والله أعلم.