+ -

 من أعمال القلوب التي تبعث على الأعمال الصالحة، وترغب في الآخرة، وتزجر عن الأعمال السيئة، وتزهِّد في الدنيا، وتكبَح جماح النفس العاتية الخوف والرجاء، فالخوف من الله تعالى يسوق القلب إلى فعل كل خير، ويزجره عن كل شر، والرجاء يقود العبد إلى مرضاة ربه، ويبعث الهمم إلى جليل صالح الأعمال، والخوف من الله مانع للنفس عن شهواتها، وزاجر لها عن غيها، ودافع لها إلى ما فيه صلاحها وفلاحها.

وقد أمر الله تعالى بالخوف منه، ونهى عن الخوف من غيره فقال: {إنما ذلكم الشيطان يُخوِّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}، وعن أنس رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا»، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين (صوت البكاء)، والخوف يراد به: انزعاج القلب واضطرابه وتوقعه عقوبة الله على فعل محرّم أو ترك واجب أو التقصير في مستحب، والإشفاق ألا يقبل الله العمل الصالح فتنزجر النفس عن المحرّمات، وتسارع إلى فعل الخيرات، والخشية والوجل والرهبة، ألفاظ متقاربة المعاني. يقول ابن القيم رحمه الله: (الخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة بالله يكون الخوف والخشية من الله).

لقد كان السلف يغلب عليهم الخوف من الله فيحسنون العمل، ويرجون رحمة الله، ولذلك صلحت حالهم، وطاب مآلهم، وزكت أعمالهم. فهذا ابن عمر رضي الله عنهما كان يعُسُّ ليلا فسمع رجلا يقرأ سورة الطور، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، ومرض شهرا يعودونه لا يدرون ما مرضه، ويقول علي رضي الله عنه: (لقد رأيت أصحاب محمد فلم أر اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا صُفرا غُبرا، بين أعينهم أمثال ركب المِعزى، قد باتوا لله سجدا وقياما، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تَبُلَّ ثيابهم)، ولما ودع عبد الله بن رواحة أصحابه وهو متجه إلى غزوة مؤتة، بكى وقال: (والله ما أبكي صبابة بكم، ولا جزعا من فراق الدنيا، ولكني ذكرت آية من كتاب الله: {وإن منكم إلا واردها}، فكيف لي بالصدر بعد الورود”.. والأخبار في هذا تطول عن القوم.

في كتاب “التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار” للحافظ ابن رجب رحمه الله: (والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلا محمودا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا أو همّا لازما بحيث يقطع عن السعي لم يكن محمودا).

وأما الرجاء فهو الطمع في ثواب الله تعالى على العمل الصالح، فشرط الرجاء تقديم العمل الحسن والكف عن المحرمات، وأما ترك الواجبات وإتباع الشهوات، والتمني على الله ورجاؤه، فذلك يكون أمنا من مكر الله لا رجاء: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}. وقد بيّن المولى سبحانه أن الرجاء لا يكون إلا بعد تقديم العمل الصالح: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم}.

وباختصار، فإن الواجب يقتضي الجمع بين الخوف والرجاء، وأكمل أحوال العبد محبة الله تعالى مع اعتدال الخوف والرجاء، وهذه حال الأنبياء وصالحي المؤمنين: {إنهم كانوا يُسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}. فإذا علم المسلم شمول رحمة الله، وعظيم كرمه، وتجاوزه عن الذنوب العظام، وسعة جنته، وجزيل ثوابه، انبسطت نفسه واسترسلت في الرجاء والطمع فيما عند الله من الخير العظيم، وإذا علم عظيم عقاب الله، وشدّة بطشه وأخذه، وعسير حسابه، وأهوال القيامة، وفظاعة النار، كفّت نفسه وانقمعت، وحذِرت وخافت.
إمام وأستاذ بجامعة العلوم الإسلامية – الجزائر1