+ -

 من المعلوم أن مواقف القيامة تخالف المعهود للبشر في دنياهم، فكم تشدّنا مشاهد القيامة بأهوالها العظيمة، وأحوالها المخيفة، وإن أهم المهم الذي يشغل بال كل من وقف في عرصاتها وعاين أخبارها حينئذ، الجواب عن سؤال عظيم: هل أنا من الفائزين أم من المبعدين الخاسرين؟

فمما لا شك فيه أن ملامح الإجابة ستنكشف عند الميزان الذي ستوزن به الأعمال، فمتى ثَقُلت كفة الحسنات، كتبت لصاحبها السعادة والنجاة، أما إن كان الرجحان لكفة السيئات، فيا ويل صاحبها من الخزي. وإذا كانت الأعمال الصالحة التي تحصل بها النجاة يوم القيامة تتفاضل في وزنها عند الله، فإن ذوي الألباب سيبحثون عن أهم الأعمال التي تُثقل موازينهم.

ربنا سبحانه لن يضيع عمل امرئ مهما كان ضئيلا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة}، ولربما كانت نجاة العبد في عمل احتقره، فكان الميل اليسير لكفة الحسنات بسببه، إلا أن الأهم أن نسعى في تحصيل الأعمال التي لها شأن كبير عند الله سبحانه، وأولها الفرائض والواجبات: “وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه”، ثم يأتي بعدها في المرتبة ما يكون من النوافل والمستحبات.

وأهم ما يثقل الميزان شهادة ألا إله إلا الله، فقد بلغ من عظمها وجليل وصفها ما جاء في الحديث القدسي: “يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله”، وليس الأمر تمثيلا مجردا، بل إن هذه المفاضلة الحاصلة بين لا إله إلا الله، وبين غيرها من الأعمال ستحصل يوم القيامة، ودليلها حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “إن الله سيُخَلّص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون، فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضُر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء”.

ومن مثاقيل الأعمال التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير: “كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”. ومكارم الأخلاق ومحاسنها لا يكاد يعدلها غيرها من الأعمال الصالحة، ففي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: “ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة”، ويشهد لمعناه ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: “إن المؤمن ليُدْرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”.

ولمن فقد ولدا فعز عليه فراقه، أعظم سلوى وأكبر بشارة، حين يصبر: “إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: “قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي، فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد”، بل إن اتباع الجنائز والصلاة عليها في ذلك أعظم الأجر وأثقله: “من تبع جنازة حتى يصلى عليها ويفرغ منها فله قيراطان، ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط، والذي نفس محمد بيده لهو أثقل في ميزانه من أحد”، والقيراط هو مقدار من الأوزان، يعدل يوم القيامة جبل أحد. فبمثل هذه الباقيات الصالحات، ترتفع درجة العامل في أعالي الجنان، ويزداد قدره، ويزكو عمله، ولمثل هذا فليعمل العاملون.. والله ولي التوفيق.

* إمام وأستاذ بجامعة العلوم الإسلامية – الجزائر1