+ -

 دخلت علينا إجازة الصيف فجأة، حيث تمر الأيام بسرعة دون أن نلحظ، ويكبر صغارنا أسرع مما نتخيل، نحن على أبواب الإجازة الصيفية الطويلة، تلك الإجازة التي ينتظرها ملايين الطلاب والطالبات من أبنائنا؛ ليستريحوا بها من عناء السهر والمذاكرة والذهاب يوميا إلى المدارس والجامعات والمعاهد، وهكذا هي الحياة، مراحل ومحطات ومواطئ أقدام عجلى فوق صفحة الزمان، مراحل نتنقل فيها، ونكدح في استغلالها وغرسها، فإن كان الغراس طيّبا، أنتجت خيرا ونعيما، وحصدنا من ثمارها فوزا وفلاحا، وجاءنا النداء المسعد، من الرحمن الرحيم يوم العرض والنشور: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون}، وإن كان البذر فاسدا ولم يكن خيرا، أنتجت سوء وبلاء، وحصدنا حسرة وندامة، ونادانا المنادي يوم الأشهاد: {أولم نُعَمّركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير}.

يلاحظ أولياء الأمور المشاكل اليومية التي تحدث نتيجة بقاء أولادهم في المنازل طوال ساعات النهار، وما يسببونه من ضغط وأعصاب ووجع رأس تجعله يسأل متى تبدأ الدراسة، ومتى تفتح المدارس أبوابها من جديد. لذا، كان لابد لنا أولا من معرفة قيمة الوقت؛ ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم: “لا تزول قدمَا عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وذكر منها.. عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه”؛ المرء بين يدي الله سيسأل عن هذا الوقت، فيم قضاه، وكيف استغله.

والإجازة التي يعيشها أبناؤنا وبناتنا فرصة طيّبة لاغتنامها فيما ينفعهم من أعمال الدنيا والآخرة، وعلى قدرِ صدقِ النية والحرصِ والمجاهدة، يعينهم الله جل وعلا، ويفتح لهم أبواب الخيرِ كلها. وإن من كياسة المسلم أن يستغل وقته في هذه الإجازة، بما يعود عليه بالنفعِ العاجلِ في الدنيا والآخرة، قال عمر رضي اللهُ عنه: “إني لأكره أن أرى أحدكم سَبهللاً لا في عملِ دنيا ولا في عملِ آخرة”، وما أكثر الذين يضيعون هذه الإجازة فيما لا يعود عليهم بالفائدة!!

وإن الإحساس بأهمية هذا الوقت تدفعنا، بدون شك، لاستغلاله فيما يفيد وفي حدود الطاقة الإنتاجية التي تتناسب مع الصيف نفسه. والشباب أنفسهم خير من يقدر قيمة الوقت إذا عرفوا الحاجة إلى استغلاله، خاصة أن الكثير من المهارات الأساسية الضرورية تنقص معظم شبابنا. يقول ابن الجوزي: (ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيّته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل).

وإن الحرص على الاستفادة من الوقت بحيث يستفيد منه في كل ما ينفعه من عمل دنيوي، وعمل صالح أخروي، وعلم ينفعه ويقرّبه إلى ربه، وخير ما يستغل به المسلم وقته حفظ كتاب الله تعالى وتعلمه، وقد حث النبي صلّى الله عليه وسلم على تعلم كتاب الله فقال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.

والإجازة فرصة لإنجاز المشاريع الخاصة والعامة التي لا يتمكن المرء من إنجازها خلال العام الدراسي لكثرة المشاغل والمعوقات، فالإجازة فرصة لتعويض كل نقص خلال العام. إن الاغتنام الأمثل لأيام الإجازة الصيفية يبدأ أولا بتحديد الأهداف والأعمال التي يرغب في تنفيذها، ثم العمل على إيجاد الوسائل المناسبة لتنفيذ وأداء تلك الأهداف، ومن ثم تقييم العمل بعد الفراغ منه، وكلما كان الهدف خيرا والوسيلة صالحة والتقييم دقيقا، كلما تحققت النتائج بشكل أفضل، وأورثت صاحب الهدف أنسا وسعادة، يحس بها في الدنيا ويجد جزاءها يوم يلقى ربه، حين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الرابح في الإجازة من عمرها بالنافع المفيد، فاكتسب علما أو تعلم حرفة أو أتقن مِهنة أو حفظ آية أو علم حديثا أو قرأ كتبا نافعة، أو التحق بمخيّم صيفي يزيده إيمانا وثقافة ويكسبه مهارة ويملأ وقته بالمفيد، والرابح في إجازته من جعل لأقاربه وذوِي رحمه نصيبا منها أو أسهم في مشروع خيرٍ أو أمدّ إخوانه وساعدهم فيما يخدم المسلمين ويرفع راية الدين والوطن، والرابح في إجازته من أخلص النيّة لله فيها، فالعادة تنقلب إلى عبادة متى صلحت النيّة، والرابح منا من استغل إجازته في تعليم أهله وأولاده ما ينفعهم واستغل وجوده بينهم، فذكرهم بما يجب وحذرهم مما يجتنب، والأب المثالي هو الذي يهمه صلاح أبنائه وبناته.

إن الفراغ في الإسلام فرصة للعمل الصالح والتزوّد من الخير، قال تعالى: {وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى}، وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}.