+ -

لما كان التعامل بين الناس بأنواع التصرفات المالية قد يؤدي ببعضهم إلى دفع سلعهم وأموالهم إلى من يتعاملون معهم دون توثيق، معتمدين في ذلك على أمانتهم وصدقهم، كما أن بعضهم قد يضطره حفظ أمواله وصيانتها إلى إيداعها عند من يطمئن إليه ويثق بأمانته، سواء في ذلك أفرادا كانوا أو جماعات، دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى أداء أماناتهم وطلب منهم ذلك طلبا حثيثا، حيث قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} النساء:58، وقال: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} المؤمنون:8، وقال: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} البقرة:283، وقال: {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} النساء:107، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} الأنفال:27.

والذي يستفاد من هذه الآيات أن أصل التعامل في القرآن الكريم مبني على أداء الأمانة بكل أنواعها وفي أحوالها ولم يفرق القرآن في ذلك بين بر وفاجر، بل إن حق الأمانة ثابت لكل من يتعامل معه المسلم، قال ابن المنذر: (فقد أمر الله عز وجل بردّ الأمانات إلى أهلها أمرا عاما، وأجمع أهل العلم على أن الأمانات مؤداة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار)، قال ابن عباس: (لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة).

ويحصل أداء الأمانة بحفظها وتأمينها لأهلها، ومن ثم ذكر الفقهاء أن من أؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها، وأجمعوا على أن المودع ممنوع من استعمالها إلا بإذن مالكها.
وقد نعى القرآن الكريم على اليهود إذ كانوا يتعاملون بمقتضى الأمانة فيما بينهم ولا يفعلون ذلك مع غيرهم، حيث قال تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما}.

ولهذا، فإن السنة قد شددت كثيرا على المسلمين في هذه المسألة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك”، بل جعلتها صفة من صفات المؤمن وعلامة مميزه له، فقال: “ألا أخبركم بالمؤمن من آمنه الناس على أموالهم وأنفسهم”.

ولم تفرق السنة في أداء الأمانة بين قليل المال وكثيره، ومن ثم، فإن اقتطاع أي شيء منها مهما كانت حقارته يعدّ خيانة لها، وأن أي مسؤول كلف بإدارة المال العام وتسييره والتصرف فيه، فكتم مما ولي عليه شيئا، ولو كان في قدر مخيط فما فوقه، اعتبر غلولا يعذب به يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: “من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة”.

وفي مقابل هذا، اعتبرت السنة المسؤول الأمين الذي يؤدي ما كلف به، كما طلب منه من غير زيادة ولا نقصان أحد المتصدقين، قال صلى الله عليه وسلم: “الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين”، وفي هذا الحديث ترغيب للمؤمنين في أداء أماناتهم وتحمل مسؤولياتهم بصدق وإخلاص.

وبما أن أساس الأمن في المعاملات والتصرفات المالية هو أداء الأمانة بمعناها الواسع، فإن الفقهاء قد عمدوا إلى تسمية بعض أنواع البيوع ببيع الأمانة كبيع المرابحة والتولية، لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن الأول من غير بيّنة ولا استحلاف، ومن ثم قالوا: بوجوب صيانة تلك البيوع عن الخيانة وسبب الخيانة والتهمة؛ لأن التحرز عن ذلك كله واجب ما أمكن، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} الأنفال:27، وقال صلى الله عليه وسلم: “من غشنا فليس منا”.

والاحتراز من الخيانة وشبهة الخيانة إنما يحصل ببيان ما يجب بيانه، ومن ثم فلا بد من بيان ما يجب بيانه وما لا يجب. فلو اشترى شيئا نسيئة ثم باعه مرابحة على الثمن الأول ولم يبين أنه اشتراه بنسيئة أو باعه تولية ولم يبين ثم علم المشتري، فله الخيار بالإجماع إن شاء أخذه وإن شاء رده لأن المرابحة عقد بني على الأمانة؛ لأن المشتري اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثمن الأول فكانت الأمانة مطلوبة في هذا العقد، وكانت صيانته عن الخيانة مشروطة دلالة، ففواتها يوجب الخيار كفوات السلامة عن العيب.

ومما يدخل في هذا الباب هو أن الأصل في أموال اليتامى أن لا يدخلها الأوصياء في ذمتهم فيكون لهم ربحها وعليهم ضمانها، لأنه سلف بمنفعة، لكن محمد العربي برد له ذكر أن العمل على خلافه وأنه جرى العمل بجعل المال في ذمة الوصي والمقدم قائلا: (ولم تدرك الأمر إلا على ذلك وفعلوا ذلك، لكونه من المصالح العامة، فلما قلت الأمانة وصار الأوصياء يأكلون أموال اليتامى ويزعمون تلفها، جعل العلماء ذلك في ذمتهم احتياطا للمحجور عليه، كما جعلوا أجرة الدلال جعلا إن باع قبضا لقلة الأمانة في السماسرة).

*مدير تحرير مجلة “آفاق الثّقافة والتّراث”