+ -

لقد لاحظ الجميع حسن المعاملة التي تلقاها المحتجزون الإسرائيليون لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، فرسالة إحداهن للمقاومة قبل إطلاق سراحها خير دليل، كما أن مشاهد الوداع الودية بين المحتجزين وأفراد المقاومة التي تتكرّر عند كل عملية تسليم تؤكد حسن المعاملة.

وخلال تسليم الأسرى الإسرائيليين للصليب الأحمر الدولي، ظهر عناصر من المقاومة الفلسطينية يربتون على الأطفال ويترفّقون بالمسنين، إنها مقاومة أخلاقية إنسانية.. لذا، أثارت مغادرة أسيرة إسرائيلية لغزة برفقة كلبها تفاعلا كبيرا، حتى أن مصافحة الوداع بين بعض الأسيرات وأفراد من المقاومة كانت أكثر غرابة، فإحدى المحتجزات أدّت ما يشبه التحية العسكرية لمقاتلي القسام أثناء تسليمها. وقد أثارت تلك المشاهد التي انتشرت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي العالمية تفاعلا كبيرا، وسط إشادة بعناصر المقاومة الفلسطينية وطريقة تعاملهم مع المحتجزين الإسرائيليين.

إن ما شاهدناه من معاملة المقاومة الفلسطينية للأسرى الإسرائيليين وغيرهم من أعدائهم في شهادات الأسرى، ووسائل إعلام العدو، ما هو إلا انعكاس حقيقي لقيم وتعاليم الإسلام السمحة، واقتداء أولئك الأبطال بالمنهج النبوي، بل هم امتداد طبيعي لقادة الأمة في اتباعهم للوصية القرآنية الخالدة في التعامل مع الأسرى، ويمثلون نموذجا رائعا في التآسي بالهدي النبوي. يقول الله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم}، وقال تعالى في الأبرار: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}.
إن الإسلام يعتبر الأسرى من الفئات الضعيفة التي تستحق الشفقة والإحسان والرعاية، مثل المسكين واليتيم، ويوجب معاملتهم معاملة إنسانية، تحفظ كرامتهم، وترعى حقوقهم، وتصون إنسانيتهم. وقد ذكر أبو عزيز بن عمير، كما في الطبراني الكبير وغيره، قال: “كنت في الأسارى يوم معركة بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالأسارى خيرا”، وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز”. وقد كان خبز القمح طعاما نادرا يشتهيه الناس في ذلك الزمان.

لقد وضع الإسلام للحروب نظاما متميّزا، وتفصيلا دقيقا لأسبابها، ووسائلها وغاياتها، ومن ينظر لأحكام الحرب في التشريع الإسلامي، يرى أن الإسلام كان له قدم السبق في تنظيم هذه الظاهرة، فلا عجب ولا غرابة من دين اتسم بالرحمة والإنسانية أن يفرض الرحمة والإنسانية في معاملة أسرى الحرب، في وقت كانت فيه جميع الأمم الأخرى تقتل الأسرى أو تستعبدهم.

وإن من يتأمل تراث الإسلام في مسألة الأسرى ويطلع على ما دوّنه علماء الإسلام عن الأسرى وحقوقهم في الإسلام، يلحظ بجلاء أن الإسلام يجنح باستمرار إلى تغليب الجانب الإنساني في معاملة الأسرى، والأهم من ذلك أن الإسلام أخضع معاملة الأسرى لنظام محكم وتشريع مدوّن، لا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوزه أو التعدّي عليه، لاسيما تحت ضغط الحالات النفسية المتوترة التي تولّدها الحروب والانتصارات.

ومن الأحكام المتعلقة بالأسرى وماذا يجب أن نصنع معهم؟ فقد نص القرآن على ذلك في آية صريحة، فقال سبحانه: {.. حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها}. القرآن هنا يخيّرنا بين أمرين في التعامل معهم، وهما: المن، والفداء، ولم يذكر غيرهما، ومعنى “المن”: إطلاق سراح الأسير لوجه الله تعالى؛ لنتألف قلبه ونحبب إليه الإسلام، حيث فككنا أسره دون مقابل، ومعنى “الفداء”: أن نفدي الأسرى بأسرى مثلهم في العدد أو أقل أو أكثر، حسب المصلحة، فرُبّ أسير منا له وزن وقيمة، نفديه بأكثر من أسير لنا عندهم، والعكس يحدث أيضا. وقد يكون الفداء بمال، كما فعل الرسول والصحابة معه في أسرى “بدر”، حيث طلبوا الفداء بالمال لمسيس حاجتهم إليهم وقدرة أهليهم من قريش عليه.

والدارس للتاريخ الإسلامي يجد صورا مضيئة في كيفية معاملة الأسرى، ومن النماذج الطيّبة في معاملة الأسرى ما كان بين صلاح الدين الأيوبي وبين أسرى الصليبيين الذين جاءوا من أوروبا فاحتلوا بلاد المسلمين وقتلوا كثيرا منهم، فلم يعاملهم صلاح الدين بمثل معاملاتهم بل عفا عن كثير منهم وصفح، بل مَنَّ على كثير منهم بدون مال يدفعونه. وكذلك يشهد الأعداء للأمير عبد القادر الجزائري كيف أنه دعا إلى حماية الأسرى الكفار، وسعى إلى إطلاق سراحهم.

إن الإسلام يدعو إلى حقن الدماء والعفو، وإتاحة الفرصة وتهيئة الظروف؛ ليدخل الناس في الإسلام بحرية واختيار، وحب ورغبة، ولينتشر الأمن والسلم والسلام العالم أجمع، ويعيش الناس جميعا متعاونين يحترم بعضهم بعضا، وبذلك يتم حفظ حقوق الإنسان حقيقة، وليس مجرد شعارات يتبجح بها الغرب المنافق.