+ -

إن شخصية الممارس للخطاب الإسلامي الأخلاقية، ونفسه الطيبة، وروحه الزكية، ومحبته للناس، وإخلاصه لأمته، وغيرته على دينه وإسلامه، ومطابقة قوله لفعله، وانفتاحه على الآخر، هي الحجر الأساس في بناء الخطاب الإسلامي المنشود، ولكن هذا البنيان لا يبلغ تمامه إلا بجملة من المتطلبات العلمية يجب توافرها في ممارس الخطاب الإسلامي، والمتمثلة في حفظ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون متفتح الذهن، دارسا للعلوم الشرعية، إعلاميا، وعنده إلمام ببعض العلوم الأخرى التي تخدمه في عمله، وإلى جانب هذا كله، أن تكون لديه ملكة فقه الخطاب التي تعدّ السبب الرئيس في نجاح الخطاب الإسلامي أو فشله.

ويمكن أن نجمل هذا الفقه في: أن يكون على بيّنة من حكم ما يأمر به وينهى عنه، تلك المزية المومأ إليها بقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}، وقوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن}. وأن يعرف أن دعوة الناس إلى الحق نوعان: الأول: ويقصد به إنقاذ الناس من خلال فساد لاحق، وضرر واقع بهم، وهذا يتحتم القيام بها لأول وقت ممكن، ويلوح إلى هذا الواجب قوله تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قومي اتبعوا المرسلين}، قال الخضر حسين: فقوله {من أقصى المدينة} إظهار لعناية هذا الداعي وشدة رغبته في الإصلاح، حيث لم يثبطه بعد المسافة من السعي إليه، والوفاء بحقه، وقوله {يسعى} تذكرة لدعاة الإصلاح، وإيقاظ لهممهم كي ينفق في هذه الغاية وسعهم ويسارعوا إلى النصيحة جهدهم، لأن السعي في لسان العرب بمعنى العدو والمشي بسرعة. والثاني: دعوة يقصد بها تحذيرهم من أمر يخشى عليهم الوقوع في بأسه؛ فإن كان هذا الأمر مما ينشأ عن تأخيره حرج التحق بالأمر الواقع ووجبت المبادرة إلى الدعوة حسب الطاقة، أما إن كان بين الدعوة وبين وقوعه فسحة، جاز إرجاؤها إلى زمن الحاجة، وما يقوله بعض أهل العلم من جواز السكوت عن العلم إلى أن يسأل عنه، إنما يحمل على هذا النوع الذي لم تدع الحال إلى معرفته في الوقت الحاضر.

وإن مهمة الدعاة ليست على منوال واحد ولا ميزان واحد في مخاطبتهم للناس، ودعوتهم للحق، وإنما تختلف باختلاف إدراك الناس للحقائق المعروضة على عقولهم، والحجج المنثورة أمامهم، ومدى سرعة اهتدائهم للدلائل المنصبة على تلك الحقائق، فمن الناس من لم يبلغ في قوة الإدراك والشعور وسرعة الخاطر أن ينتبه إلى جهة الحق من تلقاء نفسه، ولو ترك لحاله لتمادى في جهالته، ولكنه يسمع الكلمة تشير إلى موضع الحق فيرمي بصره إليه، ويأخذ في نصب الدلائل الموصلة إلى معرفته. ومنهم من لا ينتبه للحق بنفسه، ولا يتمكن من إقامة الشواهد عليه لو أنبأته بناحيته، فيفتقر إلى أن تأخذ بيده، وتقوده بما تلقيه من الأدلة حتى يراه رأي العين، إلا أنه انطوى على فطرة سليمة ونظر صحيح، فلا يمكنه بعد أن يفقه الرشد ويستقر على علم أن تنزعه منه، وتغرس في مكانه جهلا أو ضلالا.

ومن الناس من يلقي زمامه إلى أيدي الدعاة ويتلقى أقوالهم بالطاعة دون أن يكلفهم الدليل على صحة قضية، أو الوجه في بيان حسن عمل، وإنما يعتمد في الاقتداء بهم على ما اشتهروا به من نحو العلم والاستقامة، وكثرة المريدين من أولي الأحلام الراجحة، وعلامة هذه الطبقة أن يرجع مرشدهم عما بثه من علم، أو ندب له من عمل، فيتقلبوا معه إلى تقليد مذهبه الجديد.
إن الداعية المتمرس ذا الخبرة الطويلة يفهم ماهية هذه العناصر جيّدا وذلك من خلال ممارساته اليومية والميدانية للدعوة بين الناس، فهو يجدها نقلا ويجيدها عقلا، ويرها سنة وأثرا ويستخرج منها سرها المكنون فقها ونظرا، وينزلها على واقعه علما وعملا.

إن الدعوة الإسلامية الصادقة الصحيحة ما كان مرجعها شريعة امتزجت فيها الأحكام بالأخلاق، فكانت على الناس ألين من الحرير، وكان رجالها هم عباد الرحمن العلماء النحارير، فالتقى في صعيدها روح الشريعة الصافية النقية، وروح الإنسان الطاهرة الزكية، فبذلك تتحقق الدعوة المنشودة والثمار الموعودة التي أساسها التعليم والحكمة والتزكية، قال تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} البقرة:129، وقال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} البقرة:151.

*رئيس الهيئة الشرعية بمصرف السلام الجزائر