"أول ما ينبغي العناية به في رمضان هو إقامة الفرائض"

+ -

أكد فضيلة القارئ الدكتور محمد مقاتلي الإبراهيمي، الباحث في الدراسات القرآنية، في حوار خصّ به "الخبر"، أن رمضان مدرسة للإصلاح والتزكية، وهي أحد أهم مقاصد الصيام، مشيرا إلى أنه كما أن علماء الصحة يؤكدون منافع الصيام على البدن والأعضاء، فهو من باب أولى أشدّ تأثيرا على باطن الإنسان قلبه وروحه، ملفتا إلى أن التزكية أو التغيير لا يكون إلا بالتخلية، أولا بتخلية القلب من أمراضه وشوائبه العالقة التي تمنع عنه أنوار الهداية وتحبسه في سجن الشهوات وسلطان الأهواء والعادات، وأنه يحصل بالتحلية أي بالتحلي بالفضائل والكمالات التي هي جزء من مقاصد الصيام، وأهم وسائل الإصلاح في الإسلام.

 

هل من توجيهات للمسلمين لاستقبال شهر رمضان المعظم؟

أول ما ينبغي على المسلم في استقبال رمضان هو استحضار نيّة الصيام وأداء هذه العبادة العظيمة التي هي من أركان الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى"، والنيّة واجبة في كل العبادات ويشترط فيها الإخلاص وهو شرط القبول، والمقصود بإخلاص النيّة هو تخليصها من كل ما يخالطها من شوائب المراءات والعوائد، فضلا عن الضجر والتأفف والشكوى، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، وقال أيضا: {قل الله أعبد مخلصا له ديني}، واحتساب الأجر عند الله، قال عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". والواجب الثاني هو طهارة الباطن بالتوبة والإقبال على الله سبحانه وتعالى، والرغبة فيما عنده، خصوصا أن هذا الشهر الكريم هو شهر وعد الله تعالى فيه الصائمين بخير كثير ورحمة واسعة ومغفرة وفضل أكثر من شهور السنة كلها، فلا بد أن يتهيأ المسلم بتخلية القلب من جميع الكبائر والصغائر حتى تشمله رحمة الله ويصيبه من فضله؛ فرحمة الله قريبة من المحسنين. ومن الإحسان حسن التوبة، فلا يليق أن يباشر المسلم الصيام وقلبه مصر على معصية الله ما ظهر منها وما بطن، ولا يكون ذلك إلا بإحداث توبة صادقة نصوح. ثم أن يبتهل إلى الله تعالى أن يبلغه هذا الشهر وأن يعينه على صيام نهاره وقيام ليله وأن يتقبل منه، فلقد حثّ الباري سبحانه في آخر آيات الصيام على الدعاء بقوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}. وأخيرا، تعلّم أحكام الصيام ومراجعتها؛ فمن الواجبات الشرعية تعلم أحكام العبادات؛ ومن شروط صحة الصيام تعلّم ما يصح به الصيام وما يبطل به؛ من فرائض وسنن ومكروهات ومحظورات.

 

ما هي العبادات التي يجب على الصائم الاجتهاد فيها والإكثار منها في رمضان؟

أول ما ينبغي العناية به في رمضان هو إقامة الفرائض، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: قال الله تعالى: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه"، فإذا لم يفعل الصائم في رمضان شيئا سوى إحسان الصيام وتخليصه مما يبطله أو يقلل أجره، لكان هذا من أجل القربات، وذلك من اجتناب الآثام والرفث والسباب والخصام ونحوه في رمضان ومجاهدة النفس بالصبر على أذى الناس وكف الأذى عنهم، سواء باللسان أو الجوارح، وترك الغيبة والخوض في أعراض الناس وكثرة الحلف ولو بحق وتضييع الأوقات في اللغو واللهو أو مشاهدة ما لا ينفع من البرامج، فضلا عما يسيء إلى الأخلاق والقيم لا سمح الله، قال عليه الصلاة والسلام: "الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم، إني صائم". والمستوى الثاني من الأعمال هي الاشتغال بالأعمال الصالحة، وأولاها الفرائض كالصلاة على وقتها في جماعة وبر الوالدين وإتقان الأعمال ورعاية الأولاد والزوج.. ففي رمضان تضاعف أجور الفرائض إلى سبعمائة ضعف، وتصير المندوبات بأجر الفرائض فيما سوى رمضان، كالإكثار من ذكر الله بدل مجالس اللغو واللعب وقراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وإحياء الليل بالقيام والتهجد؛ وكذا الصدقة وأعمال الخير كإفطار الصائم وتفقد الضعفاء كالمرضى والعجزة والمعوزين واليتامى... ونحو ذلك من أعمال البر.

 

كيف يمكن للصائم أن يحقق مقاصد الصوم؟

**مقاصد الصوم وحكمه كثيرة، ذكر بعضها الباري سبحانه وتعالى في آيات الصيام، وهي في قوله تعالى: {لعلكم تتقون}، {لعلكم تشكرون}، {لعلهم يرشدون}، وبيان معاني هذه المقاصد يطول. ولا تتحقق هذه المقاصد إلا إذا وقع الصيام على الهيئة الشرعية التي فرضها الله تعالى، ولكي يحصل ذلك، لا بد من تعلم أحكام الصيام وحضور مجالس الذكر وحلق العلم التي منها يتعلم المسلم أحكام الصيام وحكمه ومقاصده ومتابعة البرامج النافعة التي تعلم الصائم ذلك وهي يحمد الله كثيرة، فلا بد أولا من التعلم ثم الانتقال إلى ساحة التطبيق، وتحقيق ذلك وهذا ولا شك يشغل وقت الصائم ولا يدع له مجالا للفراغ وتضييع الأوقات، ومن ثمة تفويت مقاصد الصوم.

 

كيف يجعل الصائم من شهر رمضان بوّابة التغيير والتحسين؟

رمضان مدرسة للإصلاح والتزكية، وهي أحد أهم مقاصد الصيام. فكما أن علماء الصحة يؤكدون منافع الصيام على البدن والأعضاء، فهو من باب أولى أشدّ تأثيرا على باطن الإنسان، قلبه وروحه. والتزكية أو (التغيير) لا يكون إلا بالتخلية، أولا بتخلية القلب من أمراضه وشوائبه العالقة التي تمنع عنه أنوار الهداية وتحبسه في سجن الشهوات وسلطان الأهواء والعادات، وهذه أهم معوقات النهوض والتغيير التي يعاني منها الإنسان عموما. وأول ما يتطلبه الصيام بعد استحضار النيّات هو التخلص من عفونات النفس ورذائلها بالتوبة الصادقة بالرجوع إلى الله تعالى، كما سبق الإشارة إليه. ورمضان هو شهر التوبة، ومعنى التوبة هو القطيعة مع الماضي السيء، والتحرر من أطواق الرذائل والعادات السيئة التي انطبع عليها سلوك الإنسان اليومي وتعوّد عليها واستسلم لها وصعب عليه مفارقتها وصارت إدمانا لا يقدر الانفكاك عنه، وما لم يتعلم المسلم هذا الدرس الكبير في الصيام، فسيظل بعيدا عن تحقيق مقاصده وعن التغيير الذي يرجوه. والمعنى الثاني في التزكية (التغيير) يحصل بالتحلية، أي بالتحلي بالفضائل والكمالات التي هي جزء من مقاصد الصيام، وأهم وسائل الإصلاح في الإسلام، ولا يغيب عن علم الصائم ما يتطلبه الصيام من فضائل، على رأسها الصبر والتحمل، وهو أس الأخلاق جميعها وركن الإصلاح والتغيير، فلا تغيير بغير صبر وتضحية وتحمل؛ صبر على ما نحب مما تعوّدنا عليه من عوائد سيئة وحتى مباحات؛ وصبر على ما نكره من واجبات وأعباء وتضحيات.. والمشتغلون بالتربية يؤكدون أن الأخلاق لا تصبح صفات إلا إذا تحولت إلى عادات، لذلك كان هذا الشهر تربصا مفتوحا لإنشاء العادات الحسنة بالتعوّد مدة 30 يوما، والتخلي عن العادات السيئة بنفس الأسلوب.

 

كيف ندرب أبناءنا على الصيام؟

الأولاد نعمة من الله تستحق الحمد والشكر؛ ولكي تكتمل هذه النعمة لا بد أن ينشأوا تنشئة صالحة؛ فالأولاد الصالحون هم قرة أعين آبائهم، قال تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}. ولكي ينشأوا تنشئة صالحة، لابد من تعويدهم على فضائل الأخلاق وأحسن العادات، لذلك، يعلمنا الإسلام أن نعلم أبناءنا الصلاة لسبع حتى يتعوّدوا في سن مبكرة عليها ولا تثقل عليهم إذا ما كبروا، وكذا الصيام، وهو من أركان الإسلام، يحسن بالآباء أن يشجعوا أبناءهم ممن هم دون سن التكليف، دون الصبية الصغار الضعفة، على الصيام المتقطع خلال شهر رمضان ويكافئوهم على ذلك، كما كان لأجدادنا طقوس خاصة في كل منطقة في تشجيع الأطفال على الصيام ومكافأتهم على ذلك، مع تعليمهم بعض معاني الصيام ومقاصده، ويحثونهم على أفعال الخير في هذا الشهر، كالصدقة وإفطار الصائم ونحو ذلك.

 

كيف نستغل رمضان لهذه الأهداف كلها؟

بالتعاون على البر والتقوى والتناصح، وإعداد البرامج المسبقة في الجمعيات والمؤسسات التربوية والمساجد والبيوت ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، ليتكون في شهر رمضان جو عام ينشر روحانية الشهر في كل أرجاء الحياة، وليعين الصائم على استغلاله في أي مجال كان، بديلا عن البرامج الهابطة التي لا تليق بقدسية الشهر وتنشر التفاهة وتحيد عن روحه ومعناه.

 

ما البرنامج الأمثل للأسرة المسلمة خلال العشر الأواخر من رمضان؟

ليس هناك أمثل من برنامج رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقد كان كما تصف أمنا عائشة رضي الله عنها: "إذا أقبل العشر الأواخر من رمضان شدّ مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله" صلّى الله عليه وسلم. فإن لم تستطع الأسرة كلها القيام طول الليالي العشر، فيتقاسمون الليل والليالي، ويدعو القائم للنائم، ويتداولون ذلك إلى نهاية الشهر.. أو بتنويع القيام بقراءة القرآن بالتناوب، بتقسيم الليل إلى قطع يقوم كل واحد قطعة من الليل يقرأ القرآن، ثم الذي يليه إلى الفجر، ليقوم الجميع عند مطلعه الصلاة.

 

هل من نصيحة لمن حوّل رمضان إلى شهر لما لذّ وطاب من الأكل والشراب؟

قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}، لا بأس أن يأكل الإنسان ما لذ وطاب ويوسع على عياله في رمضان وغير رمضان، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، غير أن ذلك مقيّد بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، وقوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}، والإسراف هو الإنفاق الذي يفوق الحاجة، كأن يشتري عشرة أرغفة وهو في العادة يستهلك خمسا، ويكون مصير الباقي إلى الرمي في سلة القمامة والعياذ بالله، فهذا من الرذائل والعادات السيئة في رمضان وغيره مما يغضب الله تعالى. والأصل أن يتغذى الصائم للتقوّي على الطاعات؛ فإذا كان الأكل والإسراف يمتع صاحبه عن الطاعات، صار ذلك إثما فضلا عن إثم الإسراف والتبذير، وتفويت أجر الصيام وتحقيق حكمه ومقاصده العالية، قال صلّى الله عليه وسلم: "رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"، ومعناه أن هناك من الصائمين من لم ينل من الصيام غير مكابدة الجوع والعطش دون أجر الصيام وفضله، لأنه لم يقصده أو لأنه قد فوّته بالانشغال بما هو دونه.

 

ما واجب العلماء والدعاة في هذا الشهر؟

العلماء والدعاة هم ورثة الأنبياء، وهم طليعة الأمة وصفوتها ومنارات الهدى، وواجبهم عظيم وأمانتهم ثقيلة، تستمد ثقلها من رسالة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، في سائر الأوقات والأزمان؛ ومهمتهم بداهة هي تعليم الجاهل وإرشاد الضال ونصيحة الحائر وموعظة الغافل وتذكير الناسي والشدّ على يد المهتدي. وفي رمضان، تشدّ حاجة الناس للعلماء لتعليمهم أحكام الصيام وحكمه ومقاصده، وللفتيا فيما يعرض للناس من مسائل الصيام. ولذلك، لابد أن تعدّ البرامج التي تحتضن الصائم وتلبي حاجته الروحانية، فضلا عن الصلوات المكتوبة والتراويح، وكذا اغتنام فرصة عودة التائبين إلى المساجد والإقبال على الطاعات، بتخصيص دروس وندوات خاصة لهذه الفئة من الناس، بما يثبّت قلوبهم على التوبة حتى يستمروا على حياة الطاعة، دون إغفال توجيه النصيحة للتجار كلما سنحت الفرصة، بالتخفيف عن إخوانهم وعدم غبنهم في أقواتهم بالمضاربة والمغالاة في أثمانها بما يشق عليهم، وحث الناس على عدم الغفلة في هذا الشهر بكثرة التسوق أو النوم الطويل، وشغل الأوقات بتوافه الأعمال وتضييع فضائل الشهر الكريم. فاللهم بارك لنا في رمضان وبلغنا ليلة القدر، واجعلنا ممن يصوم نهاره ويقوم ليله إيمانا واحتسابا، وتقبل منا الصلاة والصيام والقيام وصالح الأعمال.