الجماعات الإرهابية في الساحل.. ما وراء بعث نشاطها؟

+ -

تكلفت الجماعات الإرهابية بتنفيذ عملية عسكرية ضد المجلس العسكري في النيجر، بمدينة بوني في منطقة ماكالوندي، حيث خلفت مقتل 20 من قوات الجيش، في ظل تأخر العملية العسكرية التي قالت مجموعة "إكواس" إنها ستقوم بها لإعادة الرئيس بازوم إلى السلطة في النيجر، فهل هو دور جديد لها؟ أم عملية توجيه وفق متطلبات الوضع الحالي بالمنطقة؟

بقدر ما تراجع مؤشر التدخل العسكري في النيجر تحت ضغط الرفض الخارجي له، بقدر ما ازدادت الاعتداءات الإرهابية بالمنطقة، سواء في مالي أو بوركينافاسو أو النيجر، وهو ما يغذي الاعتقاد بأنها ليس عمليات "عفوية"، بل تندرج ضمن مخطط آخر للضغط على المجلس العسكري في النيجر، واستنزاف قدراته، وتشويه صورته لدى الرأي العام المحلي، كقوة بديلة ضعيفة ليس بمقدورها حماية المواطنين، ربما لحمله على الرضوخ للمطالب التي تدعو إلى عودة الرئيس المخلوع محمد بازوم.

وإذا كان العمل الإرهابي يوصف بـ "الأعمى" في عمومه، فإنه ليس كذلك، خصوصا في منطقة الساحل، إذ يتحرك وفق "أجندة" أجنبية تسعى به للحفاظ على مواقعها، ويستعمل كأداة لتحقيق مآربها الجيواستراتيجية. فبعدما كانت الاعتداءات الإرهابية لفرع القاعدة في الساحل أو تنظيم "داعش" أو جماعة النصرة تستعمل رفضها للتواجد العسكري الأجنبي كمبرر لفرض وجودها كتنظيم مسلح بالمنطقة، وأيضا لتجنيد عناصر جديدة في صفوفها وتسهيل عملية توريطهم فيما تسميه زورا "مشروعها الجهادي"، وأيضا بعدما كان نشاطها يستهدف المواطنين العزل بالدرجة الأولى في المناطق النائية بدول الساحل، لتسهيل عملية "عسكرة" المنطقة، والتي كانت تهدف لإيجاد المبررات لتواجد القوات العسكرية الأجنبية بها، أخذت هذه الحركات الإرهابية في التحول منذ تغيير السلطة في مالي وبوركينافاسو والنيجر، وبالشكل الذي توجهت فيه العمليات الإرهابية باتجاه استهداف جيوش الدول الثلاث دون غيرها من الأهداف الأخرى، ما يطرح علامة استفهام بشأن الأجندة التي انخرطت فيها هذه التنظيمات الإرهابية، ومصدر الأوامر التي تأتيها منه، ولعل ما حدث من اعتداء على قنصلية الجزائر في غاو منذ سنوات دليل على وجود مثل هذه الأجندات الخفية.

ويكون وراء تأكيد صحيفة "لوموند" الفرنسية بأن مجموعة "فاغنر" ليس بمقدورها أن تحقق هدفها المعلن المتمثل في محاربة الإرهاب، بحسب خلاصة استطلاع بالفيديو نشرته صحيفة "لوموند" في 15 أوت الجاري، يحدث هذا رغم حداثة تواجد "فاغنر" في مالي (ماي 2021) مقارنة بمدة بقاء قوات برخان الفرنسية في شمال مالي (2013)، والتي انتهت بطردها من المنطقة، بل اتهامها من قبل وزير خارجية مالي عبد الله ديوب بأنها تدعم الإرهاب في الساحل، ما يطرح علامة استفهام حول المعطيات التي استندت إليها الصحيفة في إصدار هذا الحكم؟

ويجد هذا الاستفهام مبرره أكثر استنادا للأرقام التي نشرتها الصحيفة، فقد ازدادت حسبها العمليات الإرهابية بشكل كبير منذ قدوم مجموعة "فاغنر"، بحيث قُتل ما لا يقل عن 688 مدني في عام 2022 على يد تنظيم الدولة الإسلامية، أي 8 مرات أكثر من متوسط السنوات الأربع التي سبقت وصول فاغنر.

وقتلت جماعة دعم الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة 590 ضحية مدنية على الأقل في عام 2022، أي بزيادة 3.5 مرة أكثر من متوسط 2018-2021. فمتى كان الإرهاب ينظر إلى نوع الجنسيات الأجنبية بالمنطقة كمؤشر لرفع نشاطاته أو تخفيضها؟ وهو دليل آخر بطريقة أو بأخرى على أن هذه التنظيمات الإرهابية مستعملة من طرف قوى خارجية، لتحقيق أجندتها في النهاية..

عندما يقول سفير السلم في كوت ديفوار ألفا بلوندي "إن الدول الغربية تسعى من وراء التدخل العسكري في النيجر إلى نقل الحرب الروسية الأوكرانية إلى القارة الإفريقية، لأنهم لا يريدون أن تبقى الحرب عندهم في القارة الأوروبية"، ففي ذلك أكثر من رسالة بأن كل الأسلحة بالنسبة لبعض الدول الأجنبية مباحة، بما فيها سلاح الإرهاب، كي تبقى ويكون لها أكثر من موضع قدم في الساحل.