الاقتناع واتّخاذ الموقف بين العقل والعاطفة

اسلاميات
28 أغسطس 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

أغلبنا يحسب أنّ قناعاته ومواقفَه هي نتاج تفكير ومحاكمة عقلية شديدة، خاصة ذوو الشّهادات العليا والمستوى التعليمي والثقافي المحترم. ونحسب أن لا دخل للعاطفة والذاتية والأفكار المسبقة فيها. لكن هل هذه هي الحقيقة؟ هل هذا هو الواقع؟
لا أظنّ ذلك. ولا أظنّ عاقلًا يعتقد ذلك! بل أغلب القناعات والمواقف تتأثّر أوّل ما تتأثّر بالعاطفة والمزاج، وتصدر في الغالب عن ذاتية مغرقة وأفكار مسبقة.
ولهذا نجد القرآن العظيم يعزو الضّلال الكبير إلى الهوى المسيطر كما يعزوه للتّفكير المعوج، فيقول الله تبارك وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}. فعلى أحد أوجه تفسير الآية يكون قوله تعالى: {وأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ}، حالا من المفعول، أي: وأضلّ الله تعالى هذا الشّقي، والحال أنّ هذا الشّقيّ عالم عرف الحقّ ببراهينه واتّضحت الحجّة لعقله، ولكنّه استحبّ الغيّ على الرُّشد اتّباعًا لعاطفته وأهوائه.
قال الإمام العلامة ابن عاشور رحمه الله تعالى: ”ومعنى {على علم} أنّهم أحاطت بهم أسباب الضّلالة مع أنّهم أهل علم، أي عقول سليمة أو مع أنّهم بلغهم العلم بما يهديهم وذلك بالقرآن ودعوة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى الإسلام”. فالقضية ليست قضية عقل وعلم وبراهين وأدلة بقدر ما هي قضية نفوس وعواطف وأهواء وأفكار مسبقة وتعصب مقيت.
وتأكيدًا لهذا المعنى ضرب القرآن الكريم مثلًا حياتيًا متمثّلًا في أحد علماء أهل الكتاب السابقين، الّذي أتاه الله العلم وشهد له بذلك، ولكنّه اختار طريق الضّلال واتّباع الباطل خضوعًا لهواه وعاطفته ومزاجه، فقال سبحانه وتعالى عنه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ}. وهكذا الإنسان حين يفرّط في نعمة العقل الّتي أكرمه الله بها، ولا ينتفع بالعلم الّذي يسّره الله ينزل إلى حضيض البهيمية والحيوانية، فيكون كالكلب والأنعام بل أضلّ: {ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون}، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيل}.
إنّ سيطرة العاطفة على الإنسان وغلبتها على عقله وعلمه أمرّ معيش لا ينكره إلاّ مكابر، وخطورة هذه الحال تزداد إذا تلبّست بعلم وتعقّل، فيكون المرء تحت سلطان عواطفه، خاضعًا لهواه، متّبعًا لمزاجه، واهمًا أنّه العقلاني الأوّل الّذي لا سلطان للعاطفة والذّاتية والهوى عليه وعلى تفكيره وعلى أحكامه، موهمًا لغيره مدّعيّا أنّه لا يخضع إلاّ للعلم ومقراراته ودلائله وبراهينه!.
ثمّ إنّ ضراوة العاطفة وشراسة الهوى وقوّة الذّاتية تزداد كلّما تعلّق الأمر بقضية من قضايا الانتماء للتيار أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة أو الفرقة أو حتّى الفريق الرّياضي، وتبلغ مداها حتمًا إذا تعلّق الأمر بالأشخاص، فهنا حدث عن العواطف العواصف ولا حرج!. وهنا ينقلب التّعقل إلى ضرب من الجنون بفعل العاطفة واتّباع الهوى، فيصير الإنسان يرى كلّ ما في تياره أو حزبه أو طائفته أو فرقته حسنًا صالحًا طيّبًا، وكلّ ما هو مخالف لها قبيحًا فاسدًا عكِرًا!. ويسخّر العقل والعلم والبرهان لتسويغ (تبرير) هذا الوضع الغريب!. مع أنّه كثيرًا ما ينتسب المرء إلى ما ذكر بسبب النّشأة أو الظروف أو المعايشة لا عن اقتناع واع وإدراك تام. ثمّ يتولّد بعد ذلك الاقتناع الموهوم الّذي قد يصل إلى معاندة الحقّ والتّعصب الممقوت، ومثال ذلك ما روته أم المؤمنين صَفية بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ رضي الله عنها قالت: كُنتُ أحبَّ ولدِ أَبِي إليه، وإلى عمِّي أبي ياسر، لم ألقهما قطُّ مع ولدلهما إلّا أخذاني دُونَهُ، قالت: فلمّا قدِمَ رسولُ الله صلّى اله عليه وسلّم المدينة، ونزل قُبَاء، غَدَا عليه أَبي حُيي بْنُ أَخْطَبَ، وعمّي أبو ياسر بن أخطبَ، مُغَلَّسَيْن. قالت: فلم يرجعا حتَى كانا مع غروب الشّمس. قالت: فأتَيا كَالَّيْن كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يمشيَانِ الهُوينَى. قالت: فهشِشْتُ إليهما كما كنتُ أَصنعُ، فو الله ما التفتَ إليَّ واحدٌ منهما، مع مابهما من الغمِّ. قالت: وسمعتُ عمّي أَبا ياسر، وهو يقول لِأَبِي، حُييّ بْنِ أخْطَب: أَهُوَ هُوَ؟، قال أبي: نعم والله: قال: أتعرفُهُ وتُثْبته؟، قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟، قال: عداوتُهُ والله ما بَقِيتُ. فأبيّ بن أخطب عالم بحقيقة رسول الله تعالى متيقن منها، وهذا معنى معرفته وإثباته، ولكنّ موقفه كان معاكسًا تمام المعاكسة لهذا العلم اليقيني والمعرفة اليقينية والاقتناع العقلي، خاضعًا كليّة للعاطفة والهوى والفكرة المسبقة..
وللأسف هذا حال الكثيرين في كثير من القضايا ولكنّهم لا يصرحون، ويدّعون ويتظاهرون!. وعلى كلّ هذا موضوع طويلة ذيوله كثيرة فروعه قد نرجع إلى بعضها إن يسّر المولى سبحانه.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول