مخاطر السِّحر والشّعوذة على الفرد والمجتمع

اسلاميات
13 سبتمبر 2020 () - د. عبد الحق حميش
0 قراءة
+ -

انتشرت مرّة أخرى أخبار السّحرة والمشعوذين على وسائل الإعلام ومنصات التّواصل الاجتماعي، ما يتطلّب منّا التّحذير والتّنبيه إلى مخاطر هذا الدّاء العظيم الّذي يتهدّد مجتمعنا.
إنّ السِّحر آفة خطيرة وداء عضال، وخطره على الأفراد والجماعات واضح ومتحقّق، فهو عامل من عوامل تفكّك الأسر والتّفريق بين الأحبّة وإشعال نار الفتن بينهم، ومعول يهدم صرح الأخوّة والمحبّة الّتي بناها الإسلام، ويزرع مكانها الحقد والكراهية. كما أنّه يزرع الشّكوك ويسلب الثّقة من نفوس النّاس، بل ويسلب منهم الشّعور بالأمن، وفشوّه في مجتمع ما دليل على بلادة أهله وانتشار التخلّف الفكري وسيطرة الرجعية الحقّة فيه، ونذارة شرّ عام مستطير...
يُطلَق السّحر لغة على كلّ ما خفي سببه ولطف ودقّ، وفي الاصطلاح الشرعي على معان منها: تلك العقد والرُّقَى الّتي يتكلّم بها أو الّتي تكتب، حيث يتوصل بها السّاحر إلى استخدام الشّياطين فيما يريده من إضرار بالغير أو نفع لنفسه، ويطلق أيضًا على ما يعمل من أدوية وعقاقير تؤثّر في عقل الإنسان أو بدنه، فتكون سببًا لعدم تمييزه بين الخير والشرّ وبين من يستحقّ أن يحبّ ومن يستحق أن يبغض.
والسّحر حرام وكبيرة من أعظم الكبائر في الشّريعة الإسلامية، وللإمام النووي رحمه الله تعالى عبارة جامعة في حكم السّحر حيث قال: (قد يكون ”السّحر” كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصيته كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفّر، وإلّا فلا. وأمّا تعلّمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفّر وإلّا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّرَ واسْتُتِيبَ...).
وهو مُخرِجٌ من المِلّة، لأنّ السّحر كفر وتعلّمه كفر، لقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. ويقول عليه الصّلاة والسّلام: ”مَن أتَى عرّافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول، فقد كَفَرَ بما أنزل على محمّد صلّى الله عليه وسلّم”.
كما عدّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم السّحر من الموبقات، حيث جاء بعد الشِّرك بالله تعالى، فقال: ”اجتنبوا السّبع الموبقات.. الشِّرك بالله، والسِّحر...”.
وإنّ من أهم أسباب انتشار السّحر الجهل وضعف الإيمان بالله سبحانه مقسم الأرزاق، والدّجَل والارتزاق باسم الدِّين، ومنها ميل النّفوس إلى الدّنيا ومحبّة الرّبح العاجل والحصول على ملذّاتها ولو كان على حساب التّوحيد والعقيدة، ومن أسباب انتشار السّحر غياب القوانين الزّاجرة والعقوبات القاسية في حقّ مَن يُمارس السّحر والكهانة، ومن أسباب انتشاره في هذا الزّمان وسائل الإعلام الّتي تشهر به أو تهون من أمره وفي بعض البلاد هناك قنوات خاصة بالسّحر والمشعوذين.
وخطر السّحر واضح على الأمم والمجتمعات، فهو سبب التّفريق بين الأحبّة وبين الأزواج، ومعول تهدم به البيوت والأسر الّتي هي اللّبنات الّتي يتكوّن منها المجتمع، وبقوّتها يقوى المجتمع وبضعفها وبتفكّكها يتفكّك، وهو سبيل تخدير الشّباب الّذين هم أمل الأمّة وتفتيرهم وإذهاب عزائمهم وصرفهم عمّا يصلحهم في دينهم ودنياهم، ومن علل فساد النّساء ربّات البيوت ومربّيات الأجيال. إذ بسببه تنتشر الأمراض، وتستباح الفواحش، ويشيع الطّلاق، وتفشو السّرقة والغشّ، وينعدم الأمن، ويعمّ الخوف وسوء الظنّ، وإنّ أعظم خطر للسّحر بعد هذه الأخطار هو خطره على دين المرء، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”لا يدخل الجنّة مدمن خمر ولا مؤمن بسحر ولا قاطع رحم”.
ويدفع بعض النّاس الضُّعف وشدّة الابتلاء إلى استعمال السّحر لحلّ السّحر، فيقال لمَن هذا حاله إنّ الله ما خلق داء إلّا خلق له دواء، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: ”لكلّ داء دواء”، والمقصود دواء مشروع، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم”.
ولكن كيف نكافح السّحر؟ أوّلًا بربط النّاس بالقرآن الكريم الّذي هو الشّفاء من كلّ داء، ومن وسائل مكافحة السّحر علاج الأمراض الأخلاقية والقلبية المنتشرة، كالحسد والحقد وحبّ الانتقام، يكون بتقوية الإيمان في القلوب والرّضا بما قسمه الله لنا، ومن وسائل مكافحة السحر التّرويج للرُّقية الشّرعية مع ضوابطها الشّرعية.
يقول الإمام ابن القيم الجوزية: ”من أنفع الأدوية، وأقوى ما يوجد من النَّشَرة، مقاومةُ السّحر الّذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية؛ من الذِّكر، والدّعاء، والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذِكره، وله وردٌ من الذّكر والدّعاء والتوجُّه لا يخلُّ به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السّحر له، قال: وسلطان تأثير السّحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثِّر في النساء والصبيان والجهال، ومن ضعُف حظُّه من الدِّين والتوكّل والتّوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدّعوات والتعوذات النّبويّة؛ لأنّ الأرواح الخبيثة إنّما تتسلَّط على أرواحٍ تلقاها مستعدةً لما يناسبها”.
[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول