"الجنوب الشامل" يسترجع زمام المبادرة من دول الشمال

+ -

بين تحذير المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" مما أسماه "التضليل الإعلامي" أحد أكبر المخاطر على البشرية في العامَين المقبلَين، ويمكن أن تتراوح الاضطرابات الناجمة عنه بين التظاهرات العنيفة وجرائم الكراهية والإرهاب، وبين التعتيم الذي مارسته أكبر القنوات التلفزيونية والصحف الغربية على محاكمة إسرائيل في محكمة العدل الدولية، تظهر حقيقة أخرى أن "الهيمنة" التي فرضتها العولمة للسيطرة على الرأي العام العالمي بصدد التلاشي، وتعد دعوى جنوب إفريقيا ضد الكيان المحتل بتهمة الإبادة في غزة، بداية أخذ دول "الجنوب الشامل" زمام المبادرة بيده .

إن الذي تجري محاكمته في لاهاي، هو حقيقة القانون الدولي، هل هو قانون وضع لينفذ على خارقيه ويعيد العدالة للشعوب المضطهدة؟ أم أنه قانون موجود للزينة فقط، وفي أغلب حالات تنفيذه بنية ابتزاز الدول والاستحواذ على ثرواتها؟

إن خروج جنوب إفريقيا إلى الواجهة الدولية، بملف إحالة إسرائيل على محكمة العدل الدولية، بغض النظر عن كونها ضليعة في ما معنى "نظام الأبارتيد" الذي تمارسه حكومة الكيان المحتل ضد الفلسطينيين، فإنها خطوة تعني انتهاء حقبة حكم دول الشمال (الغرب) التي ميعت القانون الدولي وأخضعته منذ 1945، لمعايير مزدوجة، مما خلق أزمات متعددة في العالم وأثر على السلم العالمي، وهي بذلك تؤذن بأنه حان الوقت لدول الجنوب الشاملة لتأخذ على عاتقها زمان الأمور. نقول ذلك لأن جنوب إفريقيا هي عضو مؤسس في مجموعة البريكس التي تتفوق اقتصاديا على مجموعة الـ 7 التي تحكمت في رقاب العالم منذ محاكمة نورمبرغ.. فهل ستكون محاكمة الكيان المحتل في محكمة لاهاي، بداية لإعادة توزيع الأوراق الجيواستراتيجية لعالم آخر جديد، متعدد الأقطاب، بعيد عن الهيمنة التي فرضها دعاة العولمة المتوحشة؟

ترى المديرة التنفيذية لمنظمة هيومن رايت ووتش، أن في مقاضاة جنوب إفريقيا لإسرائيل، أمر جيد من أجل إرجاع مصداقية القانون الدولي الذي تم الدوس عليه وعلى مختلف هيئات الأمم المتحدة. ويهدف القانون الدولي إلى تقسيم الأدوار بين مختلف مكونات المجتمع الدولي، ومنع سيطرة دولة منفردة عليه، وهو حاله اليوم؛ حيث أضحى موقوف النفاذ إلا وفق معايير مزدوجة وكيل بمكيالين، أفقد الثقة فيه لدى جزء كبير مما يسمى ليوم "دول الجنوب الشامل"، وهي الأغلبية المسحوقة في يد أقلية ساحقة .

وتعد هذه المحاكمة التي وصفت بـ "التاريخية" مهمة على أكثر من صعيد، بغض النظر عما تسفر عنه من قرارات ونتائج، لأنها تضع خطا فاصلا على الكثير من أشكال التعاملات في المستقبل، ومنها تأكيدها بأنه لم تعد الولايات المتحدة التي انفردت بإدارة حصرية لأزمة الشرق الأوسط منذ عقود، دون أن ينازعها احد، فقط لأنها وصفت نفسها بأنها الوحيدة القادرة على لجم سياسات حكومة إسرائيل في فلسطين، قبل أن يتبين للرأي العام العالمي أنه رغم رعايتها لاتفاقيات أوسلو وحل الدولتين، لم تعد قادرة بمفردها على إدارة ذلك، بل زادت في تأزيمه، لأن قرارها عاد بيد الطفل المدلل الذي أضحى يتحكم في مفاتيح البيت الأبيض والكونغرس معا .

لقد مهدت جنوب إفريقيا لمرحلة استرجاع "دول الجنوب" زمام المبادرة من دول الشمال (الغرب)، الذي ظل يتحايل لعقود من الزمن في استعمال القانون الدولي عندما يتعلق الأمر برعاية مصالحه، ولا يفرق معه إن كان ذلك يهدد السلم العالمي أو يزعزع استقرار الدول. وعندما يجد منتدى "دافوس" نفسه يرفع شماعة ما يسميه "التضليل الإعلامي" كخطر قادم، وهي شماعة جديدة ترفع بعدما سقطت شماعة "الإرهاب"، فإنها مؤشر على أن سيطرة اللوبيات على الصناعة الإعلامية بدأت تتآكل سطوتها ونفوذها أمام صعود وسائل التواصل الاجتماعي التي أضحت تصنع الرأي العام بعيدا عن المخابر الدولية التقليدية التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني، وقد أثبتت الحرب على غزة ذلك، وهو ما يراد الحد من حريته بحجة محاربة "التضليل الإعلامي"، حسب عراب العولمة منتدى "دافوس" الذي لم يشاهد اغتيال الكيان المحتل لأكثر من 106 صحفي في فلسطين في ظرف قياسي (ثلاثة أشهر).

فهل كان ذلك في سياق محاربة "التضليل الإعلامي"، أم في سياق قتل وتغييب حقائق وشواهد الإبادة التي من أجلها جرجرت جنوب إفريقيا الكيان المحتل للوقوف في قفص المتهم بالإبادة وجرائم الحرب الأخرى.

 

كلمات دلالية: