الارتجال في كيفية رشف القهوة العربية

+ -

 أزل يدب على جفنيه يدب حثيثا كزئبق مبلول يتقاطر لعابا كلما خرج هذا الإنسان العربي من نومه (أو من سباته) وهو لا يدري اليوم إذا مازالت المدينة التي يسكن فيها واقفة أم أنها قد دُمرت عن آخرها، وكم هو عدد المدن والعواصم العربية التي لازالت واقفة أو التي لازال العيش والمشي فيها عاديا جدا. وإذا نجح في الخروج من منزله يسير سير المعقوم الذي لا يعرف الإسهاب، والذي أصبح يستفحل التلخيص للمرور من شارع إلى زقاق ومن سوق إلى سوق: أين هي أسواق بغداد والموصل؟ أين هي أسواق حلب ودمشق؟ أين هي أسواق صيدا وطرابلس؟ أين هي ليبيا اليوم؟ ولقد محا هذا الرجل العربي (المرأة غائبة لأنها اغتصبت وقتلت وذبحت وذابت، فانطوت على عدمها الذي خرجت منه وعادت إليه بسرعة) من ذاكرته كلَّ الجمل والحروف ومقالات الصحف، واحتذر كل استطراد وانعراج، ولكنه احتفظ بطريقة الارتجال في كيفية رشف القهوة كل صباح، واحتفظ كذلك بفنياته في استماع المذياع العربي الذي يأتيه بأخبار كل البلدان المسجلة في قائمة الجامعة العربية (إضرابات المعلمين في الجزائر 0.53% فقط، اختطاف 220 امرأة آشورية من أصل سوري، اغتيال شيمة الصباغ في القاهرة، اغتيال إحسان إحصايري في طرابلس، احتجاجات في الجزائر ضد استغلال الغاز الصخري يوم 24 فيفري، لكن عدد رجال الأمن كان أكبر من عدد المحتجين ولم تفسر التعليقات الإذاعية سبب هذا الفارق، تساقط ثلوج معتبرة في الشرق الجزائري أدت إلى غلق الطريق السريع، اغتيال 21 قبطيا مصريا في زندة بليبيا، ذبحوا في الصباح الباكر على شاطئ البحر وكان الطقس جميلا جدا..).أزل يدب على جفنية (الإنسان العربي) حثيثا كزئبق مبلول يتقاطر لعابا، خاصة أن هذا الرجل العربي قد محا من ذاكرته الكثير من ذكرياته، وأصبح يمتلك ذاكرة بيضاء وناصعة. وذلك بعد تجربة طويلة عاش فيها تحت ريادة جمال عبد الناصر والحبيب بورڤيبة والهواري بومدين ومعمر القذافي وصدام حسين والملك محمد الخامس.. إلخ. وذلك إذن بعد تجربة طويلة وضحت له أن لسانه تعوَّد أن يتلعثم كلما حاول أن ينطق بحروف النوم والغيبوبة، فتعوَّد عند ذلك الحذر والالتباس حتى يخدع الكلمات قبل أن “تَهُفَّه”.كرب لا معنى له مبهم مغلق موصد مكبوت يأتي بعد سؤدد، عفوي، وتعايش سلمي مع الأشياء والحشرات والثغثغة والحنين لخبز أمه ولقصائد محمود درويش ولرسومات علي ديلام وروايات كاتب ياسين وشعر أدونيس وخطب الحبيب بورڤيبة وجمال عبد الناصر والهواري بومدين، مرة أخرى.كرب لا معنى له يكتسح جسمه بالكامل ويدخل فيه رعشة فيها بعض النشوة. فتعايش سلمي مع الحشرات إذن والثغثغة التي تملأ فمه، فيحاول رغم هذا أن يسيطر على الوضع ويضغط على الحواس الخمس. رنت في ذاكرته صورة أستاذ جامعي في الرياضيات كان يبيع كتبا رثة وبالية على رصيف شارع أبي نواس في بغداد، بعد أن حطم الطيران الأمريكي الكلية التي كان يُدرِّس فيها معادلات الخوارزمي، وذلك أثناء زيارة خاطفة وشبه سرية قام بها هذا الشخص العربي للاطلاع على مآله، سنة 2012.يضغط على حواسه الخمس التي تعطلت منذ سنوات وهو هكذا يتفرج على دكتاتوريين يغتصبون أيامه، ويحاولون كذلك تأسيس دول ومجتمعات تنمو كل يوم أكثر فأكثر، إلى حد أن هؤلاء المستبدين فتحوا شهوة أمريكا وشهوة أوروبا وشهوة السعودية وشهوة قطر (تلك الواحة التي لا تنتج تمرا وإنما نفطا وغيرة وكبرياء).ثم يعود الكرة ينصت إلى المذياع (لم يعد يقرأ الجرائد لأنها امتلأت بالإشهارات الملونة التي أصبح يسيطر عليها رأس مال الشركات العظمى المتعددة الجنسيات)، ثم يعود الكرة إذن هباء مبهما وميضا أحمر قرمزيا، فيه تعتعة زرقاء تميل إلى الخضرة، وبكم وحنان وازدراء وخرق للعادة.. فالسخرية..يتبع

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات