التطورات الإقليمية تنعش خط الجزائر باريس

+ -

ترأس الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية لوناس مقرمان، بباريس منذ يومين، أشغال الدورة العاشرة للمشاورات السياسية الجزائرية الفرنسية، مناصفة مع نظيرته الفرنسية آن ماري ديكوت، وهو اللقاء الثاني من نوعه بين مسؤولين في خارجية البلدين منذ تأزم العلاقات السياسية في ماي الماضي.

وذكر بيان لوزارة الشؤون الخارجية أن "هذه الدورة سمحت للطرفين بإجراء تقييم مرحلي استعدادا للاستحقاقات الثنائية المرتقبة، مع التركيز على الملفات ذات الأولوية في مجال التعاون الثنائي"، وأضاف أن المحادثات تركزت أيضا "حول القضايا الإقليمية والدولية الراهنة ذات الاهتمام المشترك".

وعقب اللقاء، نشرت ديكوت، عبر حسابها الرسمي في موقع "إكس"، أنها ناقشت مع نظيرها "تبادلات دافئة وبناءة"، مضيفة: "نحن نعزز العلاقات ونتعاون بشأن القضايا الدولية الكبرى"، دون التطرق إلى تفاصيل طبيعة وخلفيات زيارة المسؤول وسياق هذا اللقاء.

ويعد اللقاء الرسمي الثاني في غضون أسبوعين بين المسؤولين في البلدين، إذ كان مدير قسم إفريقيا والمبعوث الفرنسي الخاص المكلف بالساحل والمحيط الهندي كريستوف بيجو قد زار الجزائر في 6 سبتمبر الجاري، وأجرى خلال الزيارة محادثات مع كبار المسؤولين في الخارجية حول قضايا تخص العلاقات الثنائية والاستحقاقات المقبلة، وكذا الأزمة القائمة في النيجر، والوضع في منطقة الساحل بشكل عام.

كما زار النائب الفرنسي فريديريك بوتي، في الفترة الممتدة من 18 إلى 20 سبتمبر الجاري، الجزائر للوقوف على سير ومآل ملف مصالحة الذاكرة بين الجزائر وفرنسا.

وكان وزير الخارجية أحمد عطاف قد أعلن مطلع الشهر الجاري عن سلسلة لقاءات مرتقبة مع مسؤولين فرنسيين.

وتعطي الزيارات المتبادلة بين البلدين مؤشرا على عودة تدريجية للاتصالات السياسية الاعتيادية بين البلدين، بعد مرحلة فتور تجلت في تأجيل زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى باريس عدة مرات، وما تلاها من أزمات سياسية، بما فيها تلك المتعلقة بالنشيد الوطني، وكذا قرار إغلاق المجال الجوي في وجه الطائرات العسكرية الفرنسية المتوجهة إلى النيجر رفضا لاستخدام الأجواء الجزائرية في عمل عسكري، بالنظر لاختلاف وجهات النظر بينهما تجاه الأزمة الجارية في النيجر.

ويرجح أن تكون اللقاءات الأخيرة في الجزائر وباريس ذات صلة ببحث ملف الزيارة المؤجلة للرئيس تبون إلى فرنسا، حيث تنتظر الرئاسة مقترح برنامج للزيارة الرئاسية، بحسب ما أعلنه الرئيس الشهر الماضي حين رفع اللبس عن مصير زيارته، مؤكدا خلال اللقاء الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية أنها "لا تزال قائمة"، لكنه ينتظر إعلان الإليزيه عن برنامجها.

وستكون هذه الزيارة في حال إجرائها الأولى من نوعها للرئيس تبون إلى فرنسا منذ وصوله إلى الحكم سنة 2019، ويعول عليها الجانبان لإعادة قطار العلاقات إلى الهدوء بعد هزات متتالية، فقبل أشهر أعلنت الجزائر وفرنسا التوافق على تأجيل زيارة رئيس الجمهورية إلى باريس، التي كانت مجدولة في 2 ماي، دون ذكر أسباب ودواعي التأجيل، في حين أكدت تقارير وطنية أن الزيارة التي كان من المقرر إجراؤها في ماي تم إرجاؤها بسبب تزامنها مع احتجاجات عيد العمال الحاشدة في فرنسا ضد إصلاح نظام التقاعد، كما أشار قصر الإليزيه حينها إلى وجود "نقاش لإيجاد موعد مناسب".

وتأجلت زيارة الرئيس تبون إلى باريس إلى النصف الثاني من شهر جوان، قبل أن تؤجل مرة أخرى لموعد لاحق لم يعلن عنه بعد، وسط ملامح "أزمة صامتة" بين الجانبين برزت للعلن مع تصاعد الجدل في فرنسا، نتيجة تأويل قرار الجزائر توسيع استعمال النشيد الوطني "قسما" الذي يضم مقطعا يذكر فرنسا الاستعمارية بالاسم ويتوعدها بيوم الحساب، تضاف إليه دعوات شخصيات يمينية فرنسية إلى ضرورة مراجعة قانون الهجرة الذي تعتبره تفضيليا، وهو ما أغضب الجزائر.

وتقف عدة ملفات تاريخية واقتصادية وسياسية كعائق في مسار التقارب بين البلدين، أبرزها تمسك جناح في السلطة الفرنسية بعقلية قديمة في التعامل مع الجزائر التي فرضت مبدأ "الندية" في علاقاتها الدولية، مع تمسكها بمطلب اعتراف فرنسا بجرائمها إبان الاحتلال وحرب التحرير والاعتذار عنها، فيما يرفض الطرف الفرنسي ذلك، على الرغم من بعض الخطوات والتصريحات السياسية التي يطلقها القادة الفرنسيون بين الحين والآخر.

ويؤكد متابعون للعلاقات الثنائية أنه مهما حدث من توترات تبقى هناك عدة اعتبارات تتحكم في مسار العلاقات، حيث يعيش أكثر من 6 مليون جزائري في فرنسا، تضاف إليها مصالح اقتصادية واجتماعية ومواثيق ومعاهدات وعدة نقاط تجمع بين البلدين تستوجب إيجاد ميثاق مشترك بينهما، مع احترام سيادة البلدين وتحسين المعاملة.