عمار بن جامع.. دبلوماسي "خفضته" باريس و"رفعته" فلسطين

38serv

+ -

يصدق على الدبلوماسي عمار بن جامع، المندوب الدائم ورئيس بعثة الجزائر الدائمة لدى الأمم المتحدة بنيويورك، القول إن "فلسطين رافعة خافضة، ترفع من يرافع لها وتخفض من يخذلها".

مداخلة الثلاثاء التاريخية وضعت بن جامع في قلب الحدث المتصل بالتطورات القائمة في غزة وفلسطين، ليس لشخصه ولكن لأنه كان في تلك المداخلة يستكمل سلسلة مواقف تاريخية جزائرية إزاء القضية الفلسطينية وإسهامات يغذيها ميراث ثوري مازال يحدد مواقف الجزائر.

درس بن جامع في ثانوية في مؤسسة حيحي المكي في مدينة العلم والعلماء قسنطينة، وقد تخرج والوزير أحمد عطاف من المدرسة الوطنية للإدارة، قسم الدبلوماسية عام 1975. من حسن حظ بن جامع أن فترة تكوينه الدبلوماسي جاءت في خضم مرحلة مثلت أزهى فترات الدبلوماسية الجزائرية (في السبعينات)، خاصة أن الجزائر بارزة بمواقفها ودفاعها عن التحرر الإفريقي ودول الجنوب والقضايا العادلة في العالم.

بالنسبة لأي دبلوماسي، ستلعب هذه العوامل مجتمعة دورا في التكوين الشخصي والأداء الدبلوماسي. وقد تزامن أول تعيين لبن جامع في منصب دبلوماسي مع دخول الجزائر عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد بعد وفاة الرئيس هواري بومدين كسكرتير أول في السفارة الجزائرية في روسيا بين عامي 1980 حتى عام 1984، قبل أن يعين مسؤول مديرية الدول الشرقية في وزارة الخارجية حتى عام 1989، ليشغل بعدها منصب نائب المندوب الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وهو المكان الذي سيعود إليه بن جامع بعد ذلك بـ33 عاما.

مع بداية التسعينات سينتقل الدبلوماسي ين جامع إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا كسفير ومندوب الجزائر الدائم لدى الاتحاد الإفريقي، ثم سفيرا في لندن حتى منتصف التسعينات. وبعد تعيين أحمد عطاف وزيرا للخارجية عام 1996، سيستدعي الأخير رفيق دفعته والدراسة لشغل منصب أمين عام لوزارة الخارجية في ظرف عصيب بالنسبة للجزائر التي كانت تعيش فترة الإرهاب والأزمة الأمنية، وفي وقت كان الموقف الدولي من الأزمة ملتبسا بشكل كبير، بسبب مساعي أطراف سياسية ودولية تدويلها، في محاولات ومساع انتهت بقدوم لجنة دولية لتقصي الحقائق عام 1998، برئاسة الرئيس البرتغالي السابق ماريو سواريس ورئيس الوزراء الأردني السابق عبد الكريم الكباريتي، ناهيك عن أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب بعد قرار غلق الحدود، حيث كان مطلوبا من الجهاز الدبلوماسي صياغة مواقف والقيام بجهد كبير لتوضيح الصورة وحقيقة الأوضاع بالنسبة للمنتظم الدولي.

في عام 2001 عين بن جامع سفيرا للجزائر في طوكيو، ثم سفيرا في بروكسل ومندوب الجزائر لدى الاتحاد الأوروبي إلى غاية عام 2013، بعدما كان شغل قبل ذلك منصب مستشار مكلف بقسم التعاون الأوروبي المتوسطي. وبعمله في بروكسل، يكون بن جامع قد عمل في ثلاثة أماكن تحتضن كبرى المنظمات الدولية والإقليمية، الأمم المتحدة في نيويورك والاتحاد الإفريقي في أديس أبابا والاتحاد الأوروبي في بروكسل.

وفي عام 2013 عين الدبلوماسي عمار بن جامع سفيرا للجزائر في العاصمة الفرنسية باريس، لكن لم يقض سوى ثلاث سنوات بعدما تقررت إقالته بصورة غامضة بسبب أخطاء نسبت إليه تخص منح تأشيرات دون العودة إلى السلطات المركزية. وفيما كان يمكن أن تكون باريس خافضة للدبلوماسي عمار بن جامع وآخر محطة في مساره، كانت الأقدار السياسية تخبأ له مسارا مغايرا بعد عشر سنوات من تلك الإقالة التي أثير بشأنها جدل لافت حينها.

بعد أقل من شهر من تعيين أحمد عطاف وزيرا للخارجية في منتصف مارس 2023، تقرر في أفريل 2023 تعيين عمار بن جامع رئيسا للبعثة الجزائرية في الأمم المتحدة. وفي الوقت الذي كانت الجزائر تستعد لشغل منصب عضو غير دائم في مجلس الأمن، كان هذا المعطى والاستناد إلى تجربة بن جامع السابقة في بعثة الجزائر في نيويورك (كان قد عمل نائبا لرئيس البعثة بين عامي 1989 إلى 1991) أساسيا في اختيار رئيس البعثة، خاصة أن الجزائر تراهن على لعب دور بارز يرتقي إلى رصيد الجزائر الدبلوماسي وطموحاتها في تمثيل والدفاع عن القضايا والمواقف العربية والإفريقية، وبخاصة قضية الحق الفلسطيني الذي ظل دائما أحد أولويات الدبلوماسية الجزائرية، وهو ما لم يخيب فيه الدبلوماسي عمار بن جامع حتى الآن، خاصة بعد مداخلة الثلاثاء الماضي في مجلس الأمن التي بصم بها بن جامع بموقف تاريخي للجزائر إزاء القضية الفلسطينية. 

أكثر من 250 مقالا نشرت في كبريات الصحف العالمية حول مداخلة المندوب الجزائري عمار بن جامع والتي وصفت بأنها تاريخية، حيث كان قسم الإعلام في الخارجية الجزائرية قد بذل في سياق التنسيق مع البعثة في نيويورك جهدا كبيرا للإحاطة بكل هذا الاهتمام الإعلامي بالموقف التاريخي الذي جعل الجزائر وبن جامع في واجهة الأحداث وفي صدارة وسائل الإعلام العالمية صوتا وصورة.

 

كلمات دلالية: