+ -

 في إطار سعينا لبلورة بعض المقترحات حول الانتقال السلمي والإيجابي للسلطة، سنرى فيما إذا كانت مؤسسات أخرى بإمكانها أن تساهم في هذه العملية. نلاحظ أولا أن إصرارنا على استعمال وصف إيجابي في كل عملية انتقال للسلطة يتأتى من كون الانتقال يمكن أن يكون ضمن النظام في حد ذاته، فقد عوّدنا النظام على أنه كلما واجه منعطفا حادا في تاريخه، يحاول أن يغيّر وجوه أو قوانين مؤقتة للحفاظ على دوامه، وهذا التغيير بالنسبة لنا تغيير سلبي وعودة إلى الوراء. النظام حاليا في حاجة لتغيير جذري يأخذ شرعيته الشعبية من الشارع، ويتبنى مطالب ومشاغل الناس في التنمية والحريات والتداول على السلطة، وتوازن الصلاحيات بين المؤسسات وإيقاف الفساد والفشل.. الخ.هذه النقلة النوعية يمكن أن تتم بطريقة سلمية وإيجابية إذا قامت بعض مؤسسات الدولة بمسؤولياتها، ومنها مؤسسة المجلس الدستوري، بإعلان شغور منصب الرئيس وتفعيل المادة 88 من الدستور الحالي، وبالتالي تكليف رئيس البرلمان بمهمة الإشراف على انتخابات رئاسية مبكرة تشرف عليها لجنة مستقلة يتولى الرئيس المؤقت تعيينها وعرضها على البرلمان، وتضم اللجنة الى جانب ممثلي مؤسسات الجمهورية، قضاة وبرلمانيون ورؤساء أحزاب غير مرشحين وشخصيات وطنية.طبعا هذا الاقتراح كان مطروحا سابقا من طرف المعارضة وبعض أطراف المجتمع المدني، وقوبل برفض قاطع من طرف محيط الرئيس وبعض المؤسسات ومن بينها مؤسسة المجلس الدستوري وبعض قيادات الجيش الوطني الشعبي، وحتى أحزاب الموالاة التي تغرّد في قفص قصر المرادية.. غير أن ظروف ذلك الرفض تغيّرت، فلم يعد الضغط النفسي نفسه على تلك المؤسسات، سواء الضغط الداخلي أو الإقليمي. فالجزائر الآن أكثر أمنا وأقل مخاطر في محيطها، وبالتالي ظروف تفعيل هذه المبادرة أصبحت مؤاتية، ويمكن أن تكون الأقل خطرا من بين كل مقترحات التغيير لأنها تتم ضمن الإطار الدستوري الذي يحدد ويضمن مهام كل طرف في هذه العملية.إن العقبات القائمة حاليا في طريق هذه العملية معروفة. فرئيس المجلس الدستوري المعيّن من طرف الرئيس لا يحوز على مثل هذه الصلاحية، وأخلاقيا (إذا كانت السياسة فيها أخلاق) لا يمكن أن يتجاوز ولي نعمته ويستعمل الصلاحيات المخولة له دستوريا. لكن الوضع الحالي الموصوف بالخطورة على الجزائر وعلى مستقبل الجزائريين تستدعي موقفا أكبر من مجرد قرار تعيين أو تبعية أخلاقية، لأن القضية لم تعد قضية فرد وإنما قضية أمة، وبالتالي علينا أن نجد مخرجا من عنق الزجاجة.في رأينا هناك طريقتين عمليتين للخروج من هذا الوضع. الطريقة الأولى هي الموقف الحازم من طرف أحزاب المعارضة بالضغط بكل الوسائل على المجلس الدستوري لتفعيل هذه المادة والوقوف أمام مقره ليل نهار حتى يقوم بواجبه. وهي عملية فيها مخاطر ومواجهات مع الأجهزة الأمنية، وهجوم من طرف قوى أخرى مستفيدة من هذا الوضع ومنها أحزاب الموالاة، ولكن كما نعرف طريق المعارضة ليس حريرا وآليات عملها لا تملى عليها من طرف النظام الذي تطالب بتغييره.الطريقة الثانية هي موقف قيادات من داخل المؤسسات الجمهورية، ونعني بها قيادات الجيش الوطني الشعبي، بغض النظر عن قائده الحالي، وبعض رؤساء ومدراء هيئات هذه المؤسسات الشاعرين بالمخاطر المحيطة بالبلد، والواعين أنهم سيكونون أولى ضحايا هذا الوضع إذا ما نزل الرفض للشارع وتمرد الشعب على ذله... ونعتقد أن هناك وعي عام لدى هؤلاء بقرب نهاية مغامرة هذه المجموعة المسيطرة على البلد حاليا والتي لا يهمها منه غير ما تجمعه وتصدره من أموال الى البنوك الأجنبية.طبعا كل المقترحات السابقة كانت تصب في إطار التغيير عبر مؤسسات النظام في حد ذاته لاتقاء مخاطر التغيير من الخارج وما يترتب عنه من مواجهة مع مؤسسات هذا النظام والتي هي في الحقيقة مؤسسات الجمهورية، مؤسسات الشعب الجزائري الساهرة والراعية لسلامته وحرياته وأرزاقه ومستقبله. غير أن التغيير عن طريق أحزاب المعارضة إذا وجدت آليات ومنهاج عملية أيضا يمكنها أن تحقق الهدف، وهذا ما سنعرضه في الأسبوع القادم إن شاء الله.

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات